بالرغم من صعوبة التنبؤ بأسعار وعوائد النفط للسنة الجديدة، إلا أن ميزانية المملكة التي اعتمدها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الأسبوع الماضي جاءت متفائلة، وكانت أكبر ميزانية توسعية يتم إعلانها في تاريخ المملكة. الميزانية العامة جزء أساسي من السياسة المالية في الاقتصاد، وكل من السياستين المالية والنقدية يجب أن يعاكس الدورة الاقتصادية، فإن كان السوق يشهد انتعاشاً جاءت السياستان متحفظتان، وإن كان الاقتصاد داخلاً في دورة ركود فيجب أن تعاكساه وتكونا توسعيتين، وهو ما يشرح أهمية التوسع الكبير في جانب الإنفاق في ميزانية المملكة للعام المقبل.

ومما يزيد التفاؤل في الميزانية الجديدة أيضاً، أن الإنفاق الضخم المقدر بـ978 مليار ريال يتزامن مع بداية الحملة على الفساد وقيام اللجنة التي شكلها خادم الحرمين الشريفين برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باحتجاز عدد المتهمين بالفساد، وهو مايعني انحسار الفساد وإبعاده عن الميزانية لتوجه مخصصاتها الكبيرة لما اعتمدت له من مشاريع وتجهيزات وتجديدات حسب المخطط لذلك.

ومما يجعل الميزانية الجديدة متفائلة كذلك، هو التطور الكبير الذي يشهده عمل وزارة المالية في عهد وزيرها الجديد الأستاذ محمد الجدعان، فعمل الوزارة اليوم أصبح أكثر شفافية وتنظيماً وتيسيراً، واصبحت الوزارة حاضرة في المشهد الاقتصادي تقدم المعلومة وتصحح الأخرى وتجيب عن السؤال بكل سهولة وشفافية، كما التزمت الوزارة أن لا يزيد الوقت المخصص لصرف مستحقات المقاولين وغيرهم عن 60 يوماً، وتأخير صرف المستحقات كان أبرز الانتقادات التي تواجهها الوزارة في عملها سابقاً.

كما أن إعلان ماتحقق في جانبي الإيرادات والنفقات بشكل ربع سنوي يعطي متخذ القرار والمتابع الاقتصادي صورة واضحة عن ماتحقق، ويجعل تلافي أية مشكلة وتعديل أي وضع غير صحيح ممكناً ويسيراً، وهو مالم يكن مقدوراً عليه سابقاً، حيث كان يجب الانتظار عاماً كاملاً لمعرفة ماتحقق في الميزانية، ولم يكن التصحيح ممكناً ولا يسيراً خلال العام، لأن الإعلان السنوي يعني إقفال ميزانية عام مضى وفتح صفحة جديدة لميزانية عام جديد.

والأهم كذلك أنه بالرغم من كون ميزانية 2018 توسعية وكبيرة في بنودها، إلا أن تقديرات العجز للعام الجديد جاءت منخفضة مقارنة بالأعوام الماضية، فالرقم لن يتجاوز 195 مليارا وهو مانسبته أقل من 8 % نسبة للناتج المحلي الإجمالي، كما بلغ الدين العام التراكمي فعليا بنهاية 2017 مبلغاً قدره 438 مليار ريال أو مانسبته حوالي 17 % من الناتج المحلي، وهو رقم مازال تحت السيطرة ونتمنى أن لا يزيد، وخصوصاً الدين الأجنبي.

ختاما، ميزانية 2018 جاءت توسعية وكبيرة، ومن المتوقع أن تعيد بعض الحيوية للنشاط الاقتصادي الذي يشهد ركوداً فاق المتوسط -حسب رأيي- والأهم حالياً هو متابعة صرفها حسب ماخصصت له من بنود ومشاريع، وأن لا يصرف ريال إلا وقد تحقق على الارض مايقابل قيمته، كما أنه مطلوب من نزاهة وغيرها من أجهزة الرقابة تكثيف جهودها، فالأرقام الكبيرة لن تنعكس على واقع الاقتصاد والناس إذا صاحبها الفساد والتقصير والتأخير بلا حساب ولا عقاب.