العالم كله أمام مستقبل مجهول أو شبه مجهول، فالتقنية الذكية التي قدّمت للعالم حلولاً سحرية صفّق لها الجميع وفرح بها، هي نفسها التي قد تُحزن الجميع عما قريب، ربما خلال عقدين فقط، فهي سوف تُحدث زلازل في سوق العمل، لأن بإمكانها أن تحل مكان ملايين العاملين في شتى أنحاء العالم وتغتال وظائفهم وربما مصائرهم، وإن تحقق ذلك فسوف تحدث زلازل اجتماعية وسياسية واقتصادية تفوق أي زلازل طبيعية شهدها كوكبنا الأرضي الذي يزداد ازدحاما بشرياً بشكل لم يسبق له مثيل..

سوف تكون التقنية -إذا عمّت- داء لا دواء، لأن تسريح ملايين العمال والموظفين في العالم، ليس خطيراً جداً فقط، بل كارثي بكل معنى الكلمة، بل هو عدة كوارث اجتماعية وسياسية واقتصادية قد تشعل النيران في جسد العالم.

ما السبب؟ وهل نحن متشائمون؟ مع شبه اليقين أنّ تقدُّم التقنية الذكية بشكل سريع سوف يسرح ملايين العاملين على مستوى العالم، نعرف سبب هذا التشاؤم المبرّر.. إنّ البطالة إذا اندلعت كانت كالحرائق في الغابات يصعب السيطرة عليها أو الحدّ من خسائرها.. لن يخسر العاملون وظائفهم فقط، بل سوف يتبع ذلك وينبع منه، فقدان المصانع لملايين الزبائن، فالعاطلون لا يستطيعون الإنفاق، ومعادلة التنافس بين المصانع الضخمة سوف تتغير وتصبح غير عادلة، لأن تجنُّب الكساد المدمِّر بسبب الإحجام عن الانفاق، يلزمه تضحية الكثير من المصانع والشركات بما توفره التقنية والعودة للتوظيف، ولن تضحي شركة مالم يفعل الجميع، وذلك صعب التحقيق، سوف تكون هناك حروب اقتصادية بين الشركات واختلال بين العرض الكثير والطلب القليل، التقنية التي تُسَهِّل الإنتاج وتطوّره تحمل في ذاتها بذور فنائها مالم ينهض قطاع الخدمات عامة، والسياحة خاصة، بشكل يفوق الوصف، وهذا أمر مستبعد لأن السياحة بالذات والخدمات عامة، يقوم ازدهارها على قوة انفاق المستهلكين التي سوف تُنهكها التقنية إلى آخر حد.