المدينة المنورة ظلت على الدوام، مركزاً من مراكز الجذب الثقافي والاجتماعي والسياسي والديني، وهي من المدن القليلة، رغم محدودية مساحتها الجغرافية، التي من الممكن، أن تطلق على مكانها أو موقعها صفة العبقرية، فمداخلها الأربعة سالكة، منها يتم الاتجاه دون عناء شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وهي زراعية وحافلة بالثروات المعدنية والجبال الشامخة، وهي أولاً وأخيراً مدينة علم وحضارة، ومع ذلك هي من المدن القليلة التي يطمع فيها الجميع، فكانت مسرحاً للعديد من الغزوات الفاشلة والناجحة، حتى من أهلها، لذلك كثرت الأسوار حولها، وكان كل حاكم للمدينة في كافة العهود، حتى نهاية الدولة العثمانية يضع المزيد من الأسوار، حتى الأحياء صغيرها وكبيرها كانت مسورة، وذات أبواب، تغلق بعد صلاة العشاء، وتفتح فجراً، ولم تتخلص المدينة من هذا التوجس من الغزاة إلا عندما دخلت في ظل الدولة السعودية، فأزيلت الأسوار من حولها، وهذه نعمة كبيرة تحسب للملك المؤسس رحمه الله.

المميزات الأخرى لهذه المدينة، كثرة الأعراق والمذاهب، منذ القدم وليس الآن فقط، هذه الميزة صبغت أهل المدينة القدماء والمحدثين بمسحة من الهدوء والتسامح والتآلف، مع بعضهم ومع زوارهم، وميزة أخرى هي تدرج التركيبة الاجتماعية بين أهل المدينة، فهي حتى وقت قريب كانت تضم في الأطراف أو تخوم الصحراء أبناء البادية، وبعد ذلك منطقة الوسط الريفية التي ضمت الفلاحين، وهم خليط من مختلف الأعراق مثلهم مثل الحاضرة، أخذوا على مدى التاريخ، القديم والوسيط، صفة المكان والبيئة العامة لهذه المدينة، وبعد ذلك ضم المركز سكان السور الذي تمدد أو تم توسيعه لحماية المدينة وحرمها وأهلها من الغزاة وقطاع الطرق، الفئة الأخيرة تضم الطبقة الحضرية، منهم الموظفون وخدام المسجد النبوي الشريف والأغوات والأئمة والقضاء والعسكر والصناع.. هذا التنوع أعطى المدينة مزايا كثيرة في الخدمات العامة وتنوع المائدة واللباس والعادات الاجتماعية ورقة العاطفة وتنوع الفنون في الحياكة والبناء والغناء والأهازيج والألعاب. هذا الموقع العبقري، جعل المدينة الأسبق في توفر خدمات الطرق والاتصالات والتعليم الممنهج وتعدد الأوقاف ذات النفس الحضاري، حيث ساهمت في إنشاء المكتبات العامة، وأبرزها مكتبة عارف حكمت، والمدارس وأبرزها مدرسة العلوم الشرعية، غير العديد من الأربطة ودور الأيتام، وبها وضعت الخطط لإنشاء أول جامعة وهي جامعة صلاح الدين، وموقعها مازال موجوداً حتى الآن، وهو مدرسة طيبة الثانوية، وقد توقف العمل في هذه الجامعة وتوقفت سكة حديد الحجاز مع الحرب العالمية الأولى!

وقد كنت أستغرب لماذا لا تكون في المدينة المنورة، على كثرة ما كتب ويكتب عنها، مبادرة لتسجيل تاريخها الشفهي، حتى قرأت، عن مبادرة الأمير فيصل بن سلمان أمير منطقة المدينة المنورة، لتسجيل التراث الشفهي للمدينة، والتي من شأنها أن تحفظ لنا مواقع وتواريخ لعديد من الأنشطة والعادات والأحداث أو المناسبات، الاجتماعية والدينية والسياسية والعلمية، بعضها للأسف شبه مجهول للعامة، وبالذات ما هو في صدور أبناء البادية والفلاحين، نظراً لتفشي الجهل وندرة دور العلم في مناطقهم، حتى نصف قرن مضى، وتجاهل بعض الحاضرة، لسكان هذه المناطق آنذاك، لعدة أسباب لا داعي لذكرها، لكن يكفي أن تقرأ كتاباً من عدة أجزاء أصدره منذ سنوات أحد الكتاب حوى عشرات المقابلات مع عدد من أهل الحرف في المدينة، لكنه خلا من أي واحد من أبناء النخاولة، الذين عرف عنهم اشتغالهم في الفلاحة والبناء والطباخة والفخار والجزارة، لماذا فعل ذلك، الله أعلم!

والشكر أولاً وأخيراً لسمو الأمير فيصل بن سلمان على هذه المبادرة الحضارية، التي سوف تساهم في حفظ تراث المدينة وتاريخها.