ما الذي يعنيه أن تضع المستقبل نصب عينيك؟ تخطط لنيل شهادة وتفكر في الزواج وشراء بيت وتعمل على تأمين تعليم جيد لأطفالك وتفكر في مكاسب مالية إضافية لتزيد من رفاهيتك. تجتهد لتتقدم في عملك. وأن تعزز حياتك وحياة أسرتك بتأمين طبي. وترجو أن يكون لديك ما يكفي من المال لتقدمه للفقراء. وتدخر بعض المال لتعيش شيخوخة مريحة أيضاً. ما الوسط الذي تترعرع فيه هذه الأماني وما الاسم الجامع لها؟ ثمة من يطلق عليها: البحث عن السعادة. تلك أمانٍ يجمع عليها البشر. لا يخرج عن هذا إلا من انحرف عن الحياة السوية. تتحقق هذه الأحلام في البلاد التي تتطابق فيها أماني الناس الحقيقية مع برامج الدولة التي يعيشون فيها.

أميركا على ثرائها وقوتها لا يقترب مواطنوها من السعادة المرجوة التي بلغتها شعوب الدول الاسكندنافية.

لماذا تفشل أميركا العظمى في تحقيق السعادة لشعبها وتنجح دولة صغيرة كفنلندا؟ ما الذي ميز الشعب الفنلندي عن الشعب الأميركي؟

ستجد تفسيرات كثيرة ولكن الأهم هو هدف كل من الشعبين. في الوقت الذي يجهز الشعب الفنلندي جيشه للدفاع عن البلاد فقط تعد الحكومة الأميركية جيشها للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة الأميركية. يدخل تحت كلمة مصالح كل شيء عدا المواطن الأميركي البسيط. تعمل أميركا حسبما تمليه عليها قوتها ومؤسساتها الكبرى واستحقاقات الشركات المتعاقدة مع الجيش. المواطن الأميركي واحد من مجموع المؤسسات التي تشكل الدولة. بينما المواطن الفنلندي هو محور الدولة.

تثير سنغافورة إعجاب كل من عرف شيئاً عن تجربتها في النجاح. يعيش سكانها في سعادة يتمناها كل مواطني العالم. يتحدث الناس عن قوة اقتصادها وازدهارها وسعادة سكانها وسلام الحياة فيها. لم يسمع أحد عن علاقة هذه الدولة الصغيرة بالدول الأخرى (من هو عدوها ومن هو صديقها) ولا أظن أن أحداً سمع عن دين هذه الدولة أو أيديولوجيتها التي يموت شباب الدول الأخرى من أجلها.

طحنت أوروبا في القرنين الماضيين عدداً كبيراً من الحروب. لم تشارك سويسرا في أي منها رغم أن سويسرا امتلكت دائماً جيشاً قوياً. سويسرا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي نجا شعبها من حس العظمة الذي يتخفى في ملابس الأيديولوجيا. ولكي نعرف ما الذي حققه الشعب السويسري من نأي الوطن عن صراعات الآخرين، لنستمع إلى هذه القصة الطريفة: أعلنت الحكومة السويسرية قبل سنتين رغبتها في صرف راتب ألفي دولار لكل مواطن بغض النظر عن دخله ثم طرحت الأمر في استفتاء شعبي. رفض الشعب السويسري العطية.