ما يشعرني بالتفاؤل هو أن الميزانية تدعم أهداف الرؤية وبنودها مرتبطة بعملية التحول الوطني المستمرة وأن هذا التحول في فلسفته العميقة ليس تحولاً اقتصادياً فقط، بل هو تحول عن السلوكيات والعادات السلبية التي تكونت داخل المجتمع السعودي خلال العقود الماضية وكانت تعمل على تآكل المجتمع أخلاقياً واقتصادياً..

أعتقد أن جميع السعوديين هذا العام كانوا ينتظرون إعلان الميزانية كحدث استثنائي لأن الإعلان هذه المرة يبين تأثير رؤية 2030 على الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة وعادة ما يكون تأثيرها بطيئا وتدريجيا ويصعب الإحساس به بشكل سريع. الميزانية هذا العام وهي الأعلى في تاريخنا المعاصر تبين أن التغير وإن كان بدأ من الأعلى وبإصلاحات جذرية مفاجأة للبعض، خصوصا تلك التي تعاملت مع هدر المال العام نتيجة للإجراءات الحاسمة لمحاربة الفساد وتجفيف منابعه، إلا أنه بدأ ينتشر ويتغلغل داخل المجتمع ويصل إلى قاعدته. هذه الإصلاحات جعلت المواطنين ينظرون للميزانية هذه المرة على أنها سوف تصب فعلا وبشكل مباشر في المزيد من الإعمار وفتح قنوات جديدة للاقتصاد الوطني، فعصر الهدر ولّى إلى غير رجعة وبلادنا تسير وفق رؤية جادة لا بديل عنها، وبالطبع لا يعني هذا أنها غير خاضعة للتصحيح والتطوير، لكننا نسير إلى هدف ما يجب أن نحققه وهو هدف مصيري سيؤثر على وجودنا وعلى رفاهية الأجيال القادمة.

إحدى العلامات الإيجابية التي تقدمها ميزانية هذا العام هي أننا مازلنا نتمتع بحيوية اقتصادية رغم أننا مازلنا في بداية الإصلاح المؤسساتي من الناحية الاقتصادية والإدارية، فهناك إصرار على تحويل مؤسسات الدولة الكبرى من مؤسسات تعتمد في برامجها على الإنفاق الحكومي إلى مؤسسات تحقق دخلا للاقتصاد الوطني، هذه المؤسسات تشمل الصحة والتعليم والبلديات وغيرها، ولعل هذا التحول الذي لن يكون سهلا بكل تأكيد يجعل من توجهات الإنفاق في بنود الميزانية تصب في تعزيز القدرة على الإنتاج بدلاً من الاستمرار في عملية استهلاك الموارد التي كانت ترهقنا وتبدد كل مخزوننا وتدفعنا إلى طريق مسدود.

التحولات الكبرى في تاريخ الأمم لا تمر دون بعض المعاناة ودون صدامات فكرية وإعادة تدريجية لأنماط الحياة الإنتاجية وترك تلك الاستهلاكية، وهو تحول يصنع شعوراً عميقاً بالمسؤولية لدى الأفراد وبالتالي يعيد تنميط سلوكهم المعيشي كي يتبنى توجها منتجا. أعتقد أننا نمر الآن بمرحلة صياغة تربوية وإعادة بناء لنمط حياة جديد يعيد هوية المجتمع السعودي لسيرته الأولى قبل عقود قليلة وكان فيها جاداً ومنتجاً ويمارس الاستدامة كأسلوب حياة.

هذه ليست أمنيات لكنها حقائق ستتحقق على أرض الواقع وربما تأخذ بعض الوقت، لأنه ليس من السهولة أن تتحول من الحياة السهلة إلى الحياة الجادة التي تعتمد على المنجزات الفردية والقدرة على الإبداع وجدية العمل، وإن كان العكس صحيحا. ميزانية هذا العام تقول بصراحة إنه لا بديل عن التنمية، وهذا أمر يبعث على التفاؤل، وتقول كذلك إن هذه البلاد ستستمر في عملية البناء واستكمال البنى التحتية وتطوير التعليم ورفع قدرات المدن، وأن صحة المواطن تمثل أولوية عظمى، لكنها تقول في نفس الوقت إنه آن الآوان أن يتحمل كل من يعيش على أرض هذه البلاد مسؤوليته التي تتمثل في المساهمة في الحفاظ على الموارد المتجددة وغير المتجددة وأن يكون مصدراً ومورداً متجدداً يساهم في بناء الاقتصاد الوطني من خلال إبداعاته وابتكاراته. هذه المسؤولية، كما ذكرت تحمل في طياتها تربية اقتصادية جديدة سيكون لها تأثير عميق حتى على شكل الأسرة السعودية في المستقبل القريب.

ما يشعرني بالتفاؤل هو أن الميزانية تدعم أهداف الرؤية وبنودها مرتبطة بعملية التحول الوطني المستمرة وأن هذا التحول في فلسفته العميقة ليس تحولاً اقتصادياً فقط، بل هو تحول عن السلوكيات والعادات السلبية التي تكونت داخل المجتمع السعودي خلال العقود الماضية وكانت تعمل على تآكل المجتمع أخلاقياً واقتصادياً. هذا التحول دون شك سيمثل "انقلابا" في عادات وسلوك الفرد والأسرة في مجتمعنا، وأرى أن النجاح الحقيقي للرؤية هو تحقيق هذا الانقلاب الذي سيجعل من الأفراد صناعاً للموارد الاقتصادية سيدفعهم إلى أن يكونوا أصحاب المبادرة وقيادة الاقتصاد الوطني من الاستهلاك إلى الإنتاج. إنه تحول كنا نتمناه منذ عقود ولن يكون مجرد حلم بل هو واقع يتحقق الآن ونتائجه ستتعاظم مع مرور الوقت ولن تقف عند حد وهذه من خصائص المجتمعات الحية التي أنا على يقين أن مجتمعنا أحدها.