ما حدث كان كالتالي، اقتنينا أول جهاز تلفزيون في بيتنا وأنا في عمر الثانية عشرة، ربما أقل بقليل أو أكثر بقليل، فكل ما علق بذاكرتي صور بالأبيض والأسود، ومسلسل لبناني فائق الروعة بعنوان "ربيع" لأنطوان ريمي باللغة العربية الفصحى، حملنا بعيداً عن حكايات جدتي التي كانت تسردها علينا، ونحن مجتمعون حول موقد الحطب في ليالي الشتاء القارسة.

جاء "صندوق العجب" كما سمي في ذلك الوقت ليتملّك أفئدتنا وعقولنا، صندوق تنفتح شبابيكه على عبدالحليم وهو يغني في القاهرة، وعلى محمد علي كلاي المسلم في بلاد الأميركان وهو يصرع أقوى ملاكمي العالم ويتربع على عرش الملاكمة، وعلى أبطالنا في الألعاب الأولمبية وهم يحصدون الميداليات، كل شيء يصلنا بالصورة والصوت، عرفنا رؤساء العالم وصنفناهم حسب سلم المحبة الفطرية التي تميزنا بها في مطلع سنوات الاستقلال، فهؤلاء أصدقاؤنا وأولئك رؤساء أشرار كان يجب أن نكرههم إلى الأبد..

كل هذا كوم ومسلسل "ربيع" كوم آخر، القصة المقتبسة عن رائعة تشارلز ديكنز "دافيد كوبرفيلد" والتي صدقتها كثيراً، أكثر مما يجب واستحوذت على فكري فكتبت موضوع إنشاء في اللغة الفرنسية مستوحىً من فكرته، الأستاذ العبقري الذي كان يدرسني استوعب موهبتي وحبي للأدب فأرشدني إلى أن القصة موجودة في مكتبة البلدية، لأقرأها..!

وحين قرأتها، اكتشفت عالم السرد المختلف تماماً عن الدراما المرئية، باكراً ومن أول عمل درامي تابعته في حياتي أدركت أن لا حدود للمخيلة التي تمسك بالكلمات وتصنع أوصافها الخاصة، فغيرت وشطبت وأضفت وحصلت على طبعتي الشخصية من مسلسل "ربيع" في رأسي..

بقسوة أقل، وبكاء أخف، بنيت قصة مغايرة تتناسب مع مشاعري المرهفة، وهي ربما نفس المشاعر التي جعلت المخرج بهارات نالوري الهندي الأصل يختار قصة أنشودة الميلاد لديكنز ليقدمها لكل الفئات العمرية ليس فقط لأنها أقل حزناً عن غيرها بل لأنها تقوم على فكرة أن لا إنسان شريراً، ما دام الله خلق الخير في كل البشر، ومنحهم الخيارات الحرة في هذه الحياة، فمن اختار طريق الخير فهو له، ومن اختار طريق الشر فهو له، وعليه أن يقطف أشواكه في نهايته.

على مدى ساعة وأربع وأربعين دقيقة عشت طفولتي بكل جوارحي مع تفاصيل قصة الرجل البخيل الشرير "سكروج" وكيف تحول إلى إنسان طيب كريم يساعد الفقراء قبل أن يموت.

حضرتْ الكوميديا كما أرادها الهندي الذي كسبته هوليود، بليغة وهادفة، وحضر الأدب، وحضر مزاج ديكنز، الذي جدّد عشقنا لأدبه وفتح شهيتنا لقراءته في عطلة هذا الشتاء.