كان خطاب الملك سلمان في هذا العام هو الأشمل منذ التحاقي بمجلس الشورى منذ عشر سنوات، فقد شمل كل ما تقوم به المملكة من جهود للإصلاح بدءاً برؤية المملكة 2030 التي أصبحت هي القاعدة والدليل لكل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة..

أطل على جموع الحاضرين في القاعة الكبرى لمجلس الشورى ليس كملك فقط، ولكن كأب يحنو على الجميع، شخصية محببة مهيبة جمعت بين صفات من سبقه من ملوك المملكة منذ الملك عبدالعزيز بقوته وشجاعته إلى الملك عبدالله بقلبه الكبير ومحبته لشعبه الذي أحبه من كل قلبه. لقاء يشعرنا بالطمأنينة والتأكيد على أننا سائرون على الطريق الصحيح لبناء دولة عصرية بسلطاتها الثلاث المستقلة، والتي مرجعها جميعاً الملك. كان حضور الملك سلمان إلى مجلس الشورى هذا العام هو الأكثر أهمية، ذلك أنه جاء في وقت تسابق فيه المملكة الزمن لتنتقل من دولة نامية مثقلة بالمصاعب الإدارية والاقتصادية وتدني الخدمات وتغول الفساد كما هو في كل دول العالم الثالث، إلى دولة عصرية يسودها النظام وعدالة القضاء وحفظ حقوق المواطن ومعاملة الجميع رجالاً ونساء بعدل ومساواة، وتنويع مصادر الدخل ورقي الخدمات كما هو في دول العالم المتقدم.

وقد كان خطاب الملك سلمان في هذا العام هو الأشمل منذ التحاقي بمجلس الشورى منذ عشر سنوات، فقد شمل كل ما تقوم به المملكة من جهود للإصلاح بدءاً برؤية المملكة 2030 التي أصبحت هي القاعدة والدليل لكل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة، وهي الباعث على حسن استغلال الطاقات البشرية والثروات التي تزخر بها المملكة، وهي السبب في ما نشهده من إعادة هيكلة متسارعة لبعض الوزارات والهيئات لتلبي طموح قيادة حدودها السماء.

ومن أكثر ما تطرق إليه الملك في خطابه السنوي تركيزه على محاربة الفساد حين أكد أنه: "آفة خطيرة تقوض المجتمعات وتحول دون نهضتها وتنميتها وقد عزمنا بحول الله وقوته على مواجهته بعدل وحزم لتنعم بلادنا بإذن الله بالنهضة والتنمية التي يرجوها كل مواطن، وفي هذا السياق جاء أمرنا بتشكيل لجنة عليا لقضايا الفساد العام برئاسة ولي العهد" وفي هذا تأكيد واضح وصريح على أن مكافحة الفساد في المملكة ليست ردود أفعال أو إجراءات مؤقته تعود بعدها الأمور إلى سالف عهدها، بل جهود مستمرة ومؤسسات قائمة تتابع وتحاسب وتكافئ.

ومن أجمل ما تطرق إليه الملك يحفظه الله: حديثه في خطابه السنوي عن الوسطية والاعتدال حين قال: "ورسالتنا للجميع أنه لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال واستغلال يسر الدين لتحقيق أهدافه وسنحاسب كل من يتجاوز ذلك" هذه العبارات القصيرة في مجملها والبليغة في لغتها والعميقة في معناها تضع خارطة طريق لما يجب أن تكون عليه المملكة في المستقبل، وهذا يحتم على كل الوزارات المعنية أن تأخذ بها بدءاً بوزارة التعليم وضرورة مراجعة جميع مناهجها ومنها المقررات وحسن اختيار وتأهيل معلميها وأساتذتها لتخريج جيل مختلف يتعايش مع الواقع ويتعايش مع نفسه ومع العالم من حوله، بعيداً عن عبارات الإقصاء أوالتفرد برحمة الله الواسعة دون غيره، ويعتز بدينه ويحتفل بكل جميل في الحياة ومن هنا كانت جهود المملكة الجادة في محاربة الإرهاب والتطرف متمثلاً في تأسيس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، وإنشاء مركز عالمي لمكافحة الفكر المتطرف.

لن استطيع أن أستعرض كل ما تطرق إليه الخطاب السنوي الشامل الذي لخص سياسة المملكة الداخلية والخارجية وعلاقتها بالدول ومواقفها الثابتة من القضية الفلسطينية وضرورة إحلال السلام وإنشاء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وجهود المملكة غير العادية وقدرتها على عقد ثلاث قمم خلال يومين بين أمريكا الدولة الرائدة على مستوى العالم وبين دول مجلس التعاون والدول الإسلامية لتصب جميعها في مصالح المملكة والعالمين العربي والإسلامي.

ومجلس الشورى إذ يحتفل بهذه المناسبة فإنه يثبت أنه النواة الأولى والصحيحة لبرلمان يمثل السلطة الثالثة والتي هي خير عون للحكومة في الشق الرقابي وفي إيصال حوائج المواطنين ومتطلباتهم وتطلعاتهم إلى الملك الرئيس والمرجع لكل السلطات، ومجلس الشورى كسلطة تشريعية خير عون للسلطة القضائية فيما يخص الأنظمة وحسن مراجعتها وتحديثها وتفسيرها إذا لزم الأمر.

المملكة هذه الأيام تعيش مناسبات كثيرة يحتار الكاتب عن أيها يكتب فالمملكة تحتفل بالبيعة الثالثة للملك سلمان الذي غير وجه المملكة الحضاري والاقتصادي والاجتماعي، وتحتفل بصدور أكبر ميزانية في تاريخ المملكة موجهة نحو البناء وتحفيز الاقتصاد، والمملكة في عهد الملك سلمان وخلال فترة بسيطة قطعت شوطاً نحو الحداثة والقوة بكل معانيها ومقوماتها، نهضة خطط لها وتابعها ولي عهد شاب قوي ليس لطموحاته ونجاحاته حدود فهو المحرك لكل الأنشطة على كل المستويات.