كما تتغير الأزمان والأحوال، تتغير المفاهيم والذمم والمواقف والمبادئ والأفكار، في زمن اللاثبات، وذلك عند البعض، فهناك أناس يغيرون، مواقفهم كما يغيرون ملابسهم، وأحذيتهم، وذلك وفقاً للهوى، والمنفعة، والمصلحة.. فلا شيء لديهم اسمه مبدأ، أو حق، أو عدل، وإنما هو البيع والمتاجرة حتى بأهم القضايا الإنسانية، والأخلاقية، فهم يبكون في كل مناحة، ويرقصون في كل زفة، وينعقون على رأس كل تلة بل وعلى رؤوس الخرائب، والبيوت المهجورة ما دام أن هناك أجراً أو ثمناً لهذا النعيق. والناعقون كالبوم والأغربة، لا تتعالى أصواتهم إلا في سنين النحس.

والناعق لا علاقة لعقله بلسانه، فلسانه مفلوت وغير منضبط، ولا تتحكم فيه نوازع الخير أو نوازع الأخلاق، أو نوازع الوطنية.. لأن مثل هذه النوازع لها ضوابط عقلية أخلاقية فتتدخل فوراً لمنع اللسان من الزلل، والانفلات. أما الناعق فالعلاقة بين حلقه ولسانه قريبة جداً لكنها بعيدة جداً إن لم نقل منقطعة عن عقله، وضميره..!!

هؤلاء أشبه بالعازفين في الجوقة ينتقلون من لحن إلى لحن بسهولة ويسر، أو كالممثلين في مسرحية هزلية يغيرون ملابسهم وأقنعتهم بسرعة ومهارة. غير أن الفرق بين الممثلين والناعقين أن الممثل يلعب دوراً هزلياً تمثيلياً يعرفه ويعرف الجمهور، أي أنه يمارس شيئاً من صميم عمله التمثيلي. أما الناعق فإنه يدخل في الأمور الجادة والخطيرة والتي يكون أثرها سلبياً وقد يكون ضاراً ومهلكاً وهو يعرف أنه يلعب هذا الدور التمثيلي الخطير، بلا ضمير ولا وازع أخلاقي، فدافعه الأول والأخير المنفعة أو الشهرة وإرضاء شهوة التقلب، والتلون الرخيص الذي فطر عليه، فالمصلحة هي إلهه.. فلو عطَسَ حمار لشمَّته، ولو عطس إنسان لشَتَمه إذا كانت مصلحته تقتضى ذلك!! فما أبخس تجارة وبيع الأخلاق والذمم! والذين يمارسون هذه المهنة كنوع من الشطارة إنما يمارسون أرذل أنواع المداهنة والحقارة، وما أكثر ضرر هؤلاء، وما أسوأ سلوكهم! فهم دائماً لا يعلو صوتهم إلا في أزمنة المحن، حيث تختفي الحكمة، ويطفح الزبد، ويكثر الهرج والغوغاء، إذ حيث يختلط صوت الحق بالباطل وضوء النهار بظلام الليل. ففي مثل هذه الأجواء يزدهر موسم النعيق وتربح تجارته..

هؤلاء هم من يضرّ الأوطان ومن يزيد البلبلة، ويضاعف من حجم البليّة، وكثرة التخبط، إنهم بذلك يكسرون بوصلة الطريق، فيصبح الأمر فوضى، وغُمة، والركون إلى هؤلاء أخطر من الركون إلى الخصوم والأعداء لأن بوصلتهم الحقيقية، هي الانتفاع والطمع، ولأنهم أقل رأياً صادقاً يكونون فيه من الناصحين، وإنما هم تماماً كالنائحات اللاتي يبحثن عن جنائز يبكين فيها ولو كان الفقيد حمارًا ما دام أن الأجر مضمون.. فهل نحن واعون لأولئك؟

لست هنا محتاجاً إلى أن أضرب الأمثلة، فالقائمة طويلة، والليل أليل، والحديث ذو شجون، غير أن المتابع لوسائل الإعلام العربية سوف يصك سمعه نعيقهم صباح مساء.

ويا زمنناً ما أعجبك!! ما أسرع ما أخرجت لنا دواباً وهواماً ناعقة قبل خروج الدابة، ودجاجلة أفاقين قبل خروج الدجال؟

وحفظ الله بلاد الحرمين من كل وغد حاقد خسيس.