نلحظ في السنتين الماضيتين الانتشار المفاجئ لمايسمى بـ "مساحات العمل المشترك co-working spaces "، حيث تشهد المدن الكبرى خاصة هذه الظاهرة المتمثلة في مكاتب بأجواء عمل مثالية، في مساحات متعددة مجهزة بطاولات للعمل واتصال سريع بالإنترنت، وذلك ضمن ديكورات مدروسة بالغة الاختزال والأناقة، بالإضافة لتوفير وسائل الضيافة البسيطة التي تشمل الزائر بجو من الحميمية والترحيب، إذ غالباً مايهيئون ركناً للخدمة الذاتية بوسع الفرد استخدامه لإعداد وجبة بسيطة من السلاطة أو العصائد، بالإضافة لاتاحة الحلوى أو البسكويت أو الفواكه والمكسرات ومعين القهوة والمشروبات الخفيفة المجانية الذي لاينضب. بل ويؤخذ عامل الصحة والترفيه بعين الاعتبار حيث تتاح للزائر بعض الأجهزة الرياضية كالدراجات الكهربائية أو سيور الركض التي بوسع الزائر استعمالها بينما ينتج عمله المكتبي الجاد.

ونجد في صلب المبدأ الذي قامت عليه مكاتب العمل المفتوح المشترك هذه أن يتم تصميمها بحيث توفر الأركان الهادئة أو الغرف القابلة للغلق وذلك للاجتماعات أو الإنجاز الفردي في عزلة، وفي نفس الوقت توفر طاولات العمل الجماعي التي تسمح بالتعارف وتبادل الخبرات.

وتعتمد هذه المساحات مبدأ الدفع وفقاً للزمن الذي يقضيه الزائر لا المواد التي يستهلكها كما هو المتعارف عليه في المقاهي والمطاعم، ويكون الدفع رمزياً بالساعة أو باليوم أو باشتراك شهري.

وتكمن أهمية هذه الظاهرة في انك لاتعمل أسيراً لمكتب واحد بعينه لكل يوم من أيام تاريخك العملي، بل تنفتح لملفاتك ودائرة زملائك في العمل ورؤسائك في نفس المدينة أو ربما في أي قارة على خارطة العالم، إنه عالم في شاشة كمبيوترك يربطك بشبكة معلومات أو شبكة عمل خاصة.

انك مثل البدو الرحل، ضمن جيوش العاملين الرُحَّل الذين تتكاثر أعدادهم يوماً وراء يوم، إذ يخلصونك من جدران مكاتب شركة بعينها، ليصير مكتبك متنقلاً ترحل به حيث يروقك ضمن مقاهي المدينة ومساحات العمل الحرة بينما تكون تابعاً لشركة ربما كانت في قارة أخرى.

إنه الانفلات من نمطية المكان ممايحرر المخيلة ويشجع على الإبداع وبالتالي إثراء العمل وربما مضاعفة المكاسب.

هو المستقبل المأمول لبيئات الانتاج المتفوق، بل هو عصر سقوط المسافات والحدود بشكل غير مسبوق.