لفت النائب العام في بيانه الأخير الانتباه؛ خاصة ما يتعلق بأن التعامل مع قضايا الفساد يتم على مرحلتين: مرحلة التفاوض والتسوية ثم مرحلة الإحالة إلى النيابة العامة.

وقد لاحظت بعض التساؤل عن ما يتعلق بالتفاوض والتسوية، وما الأصل الشرعي لها؟ وذلك: أن من ثبت عليه شيء بالأدلة والبينات فيجب عليه أن يؤديه كاملاً غير منقوص لقوله صلى الله عليه وسلم: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" ومن لم يثبت عليه شيء فلا يجوز أن يؤخذ منه أي شيء لقوله صلى الله عليه وسلم : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" والقاعدة الشرعية: لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي.

والجواب عن ذلك: أنه لا شك أن هذا هو التقعيد العام للموضوع؛ لكنه لا يخفى ــ أيضاً ــ خاصة على من مارس القضاء أو الترافع في المحاكم؛ أن في هذا الموضوع تفصيلاً تدخل فيه قواعد شرعية أخرى، وبتفصيل مختصر يقال: إن الحالات في هذا الموضوع يمكن أن تفصل إلى الآتي:

1-الحال الأولى: من ظهرت سلامة موقفه بعدم ثبوت شيء عليه؛ فيخلى سبيله كما ورد في تصريحات النائب العام عن عدد من الموقوفين.

2-الحال الثانية: من ثبت عليه أنه أخذ من المال العام ما لا يجوز له بالبينة الشرعية، وأمكن أن يستخلص منه، فلا شك أنه في هذه الحال يستوفى الحق كاملاً.

3-الحال الثالثة: من ثبت عليه بالبينة الشرعية ولكن لا يمكن أن يستخلص منه إلا بعضه بالتفاوض والصلح، فالتسوية هنا مسلك شرعي دل عليه عدد من القواعد الشرعية منها: "الضرر يدفع بقدر الإمكان" والقاعدة الأخرى "يُختار أهون الشرين".

4-الحال الرابعة: لم يثبت عليه بالبينة الشرعية الموصلة، ولكن بسبب ضخامة الأموال لديه: "أصولاً وسائلة" "منقولة وغير منقولة" وقد قامت القرائن باتخاذه مسالك مشبوهة، مع عدم وضوح نشاطه التجاري الذي يوفر لديه هذه الأموال الطائلة؛ فلا شك أنه في هذه الحال "التفاوض والتسوية" مسلك شرعي؛ مبني على اعتبار القرائن الظاهرة، وهي من مسالك الأحكام الشرعية، قال ابن القيم: "فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية، فقد عطل كثيراً من الأحكام وضيع كثيراً من الحقوق".

وبالجملة فلا يخفى: أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة؛ كما هو نص القاعدة الشرعية، وبهذا التفصيل يظهر ــ ولله الحمد ــ ما منَّ الله تعالى به على هذه البلاد المباركة من التوفيق في التعامل مع هذه الحالات حفاظاً على المال العام والمصلحة العامة، مع الارتكاز على الشريعة الإسلامية في ذلك.