أنا على يقين أن هناك العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية التي يجب أن نكون متواجدين فيها بنفس القدر الذي يعبر عن مكانة بلادنا إذ لا يكفي فقط أن نكون ضمن الحضور بل يجب أن يكون لنا حضور في الذاكرة وتأثير في صناعة القرار..

خلال الأسابيع الثلاثة الفائتة أتيحت لي الفرصة للمشاركة في ثلاثة اجتماعات مع منظمات دولية مهتمة بالتراث والثقافة... وسوف أركز على هذا الجانب من المشاركات الدولية التي تؤثر بشكل عميق على صورة المملكة لدى الآخر. المشاركة في النشاط الثقافي الدولي يفترض أنه يعكس الاهتمام المجتمعي والرسمي بالثقافة داخل المملكة وبالتالي فإن الصورة التي تبنيها الدول الأخرى عنا غالبًا ما ترتبط بهذه المشاركات التي لا تُعطى اهتماماً كبيراً للأسف ولا أعلم سبب ذلك لكن بشكل عام يوجد لدينا إشكالية في نقل الصورة الحقيقية عنا نتيجة للتمثيل المتواضع في لقاءات واجتماعات المنظمات الدولية المهتمة بالثقافة والتراث، إما بسبب عدم تخصص من يمثل المملكة وبعده عن موضوع اللقاء أو لعدم التخطيط المبكر وبناء التحالفات القوية التي تجعل وجودنا مؤثراً في مثل هذه اللقاءات.

دعوني أقول: إن العمل الممنهج في ما يخص المشاركة الدولية في الاجتماعات الثقافية غير واضح أبداً فمثلاً حضورنا في منظمة مثل اليونسكو مرتبط بوجود المندوبية الدائمة في باريس ووجود اللجنة الوطنية لليونسكو داخل المملكة التي لم أسمع أنها اجتمعت خلال الأعوام الأخيرة. عملنا في اليونسكو مشتت بين عدة جهات ويفترض أن اللجنة الدائمة توجه العمل وتوحد مصادره، ولكن هذا لا يحدث رغم أن المندوب الدائم يبذل جهوداً كبيرة ولكن تظل المؤسسات الوطنية ومن يمثلها في اجتماعات وأنشطة اليونسكو لها دور كبير في نجاح عمل المندوبية. مازلت أرى أن وجودنا في لجان اليونسكو وتأثيرنا في قراراتها بسيط إضافة إلى أنه حتى الآن لم نستطع أن نوصل الحراك الثقافي الداخلي الكبير الذي تعيشه المملكة والذي يتحدث عنه الجميع في كل مكان إلى العالم ولم نستطع تحويله إلى عمل ثقافي ممنهج يُبين ما نريد أن يعرفه العالم عنا بوضوح.

ويمكن أن أقارن بين منظمتين إحداهما حكومية والأخرى غير حكومية ووجودنا غالباً غير مستقر وواضح في هاتين المنظمتين ربما كونهما منظمتين غير معروفتين بشكل واسع، رغم أن أغلب دول العالم تهتم بوجودها وتأثيرها فيهما. الأولى هي منظمة "الأيكروم" ICCROM وهي منظمة دولية حكومية تابعة للأمم المتحدة ومهتمة بترميم المواقع التراثية ومقرها في روما بإيطاليا وبعض الدول مثل الولايات المتحدة لديها مندوبية دائمة في هذه المنظمة. المملكة داعم وتسدد حصتها بانتظام لكنه لا يوجد عمل مشترك واضح ومنظم مع هذه المنظمة إلا مؤخراً من خلال الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني. ما لاحظته هو أنه لم يسبق لأي ممثل من المملكة أن انتخب في المجلس التنفيذي بينما يوجد أعضاء في المجلس من العديد من دول الخليج والدول العربية. الحقيقة أن الحضور لا يكفي والتأثير يجب أن يصل إلى تشكيل القرار وإلا سيظل حضورنا ضعيف جداً.

أما بالنسبة للمنظمة غير الحكومية وهي "الأيكوموس" ICOMOS أو المجلس الدولي للمعالم والمواقع فحدث ولا حرج. أنا أكتب هذا المقال من نيودلهي حيث تعقد الجمعية العمومية 19 اجتماعها وهو اجتماع يحدث كل عامين وقد سجل في هذا الاجتماع 900 عضو من جميع أنحاء العالم. هذه المنظمة تعتبر الذراع التقني لجمعية التراث العالمي التابعة لليونسكو ويوجد بها 28 لجنة علمية دولية مهتمة بالثقافة والتراث. يندر أن تجد عضواً في أحدها من المملكة، ولأنها منظمة غير حكومية فوجودنا يكاد يكون معدوماً ولولا أنه تم تأسيس لجنة وطنية تطوعية للأيكوموس رئيسها الفخري الأمير سلطان بن سلمان لما كان لهذه المنظمة وجود عندنا رغم أنه يوجد لدينا خطة مرتبطة برؤية 2030 لتسجيل عدة مواقع على لائحة التراث العالمي والأيكوموس لها تأثير أساس في قبول أو رفض أي ملف يتم تقديمه للتسجيل.

أنا على يقين أن هناك العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية التي يجب أن نكون متواجدين فيها بنفس القدر الذي يعبر عن مكانة بلادنا إذ لا يكفي فقط أن نكون ضمن الحضور بل يجب أن يكون لنا حضور في الذاكرة وتأثير في صناعة القرار لذلك أرى أنه آن الآوان لتأسيس هيئة يكون دورها فقط هو التخطيط لبناء الحضور الدولي للمملكة في جميع المنظمات الدولية التي تتقاطع مصالحنا معها وتؤثر على الصورة الذهنية التي يصنعها الآخر لنا. هذه الهيئة يجب أن تحظى باهتمام عالٍ لأنها ستؤثر دون جدال على علاقتنا بالعالم.