تطبيق الأنظمة بحزم وبصفة مستمرة يكسب البلد وساكنيه فوائد كثيرة، اجتماعية واقتصادية وحفظ الأنفس ومنع الإعاقات المصاحبة للحوادث بكل أشكالها، وإيجاد بيئة صحية تبعث على السعادة والصحة البدنية والنفسية..

حين يقصّر البيت في تربية أبنائه، وحين يخفق التعليم في أداء رسالته التربوية، وحين لا يدرك الإنسان مصلحة نفسه ومستقبله ومستقبل الأجيال من بعده، حينها يصبح الحزم في تطبيق الأنظمة هو البديل لمنع التجاوزات ووقف التهور وحفظ الأنفس والمحافظة على البيئة والحياة الفطرية. اليوم تعيش المملكة تحولات كبيرة وإصلاحات كثيرة بهرت العالم بجرأتها وسرعة تطبيقها، خصوصاً في مجال التحول الاقتصادي ومكافحة الفساد وفي مجال حقوق المرأة وتمكينها من العمل الحر الشريف، وفي مكافحة التطرف والعودة إلى الاعتدال والوسطية، لكن تظل المملكة واحدة من أكثر دول العالم في نسبة حوادث الطرق، وفي تدمير البيئة وعدم الالتزام بالمعايير العالمية لمنع تلوث الهواء في المدن من قبل المصانع والمركبات، وتلوث الشواطئ خاصة القريبة من المدن الكبيرة والمناطق الصناعية بسبب مياه الصرف الصحي وإلقاء المخلفات، ومن السفن القادمة أو المغادرة لموانئ المملكة، وما تتعرض له الحياة الفطرية من صيد جائر وسطو على المحميات.

من يزور أي بلد متقدم ينبهر لما يراه من انضباط في الشارع وعلى الطرقات السريعة وفي الحدائق والمنتزهات البرية. وليس السبب أنهم من جنس مختلف، لكن كان وراء ذلك جهود مشتركة من البيت والمدرسة، وجهود الدولة في وضع الأنظمة وتطبيقها بحزم، فكل نظام يصدر يتضمن آلية تطبيقه وتنفيذ الجزاءات والعقوبات إن وجدت، فليس أسوأ من عدم وجود نظام إلا وجود نظام لا يطبق مما يجعله سبباً في الاستهتار ببقية الأنظمة وتعويد الناس على عدم احترامها.

اليوم تسير المملكة بخطى حثيثة لبناء الدولة الحديثة التي يشعر المواطن فيها أن له حقوقاً تحترم وواجبات تؤدى، وهذا يتطلب التأكد من أن كل نظام يصدر يجب أن يتضمن آلية تطبيقه واحترامه من الجميع، ومن أهم الأنظمة التي يتطلب تطبيقها بحزم ما يلي:

أولاً: نظام المرور لوقف ذلك النزيف الهائل من الأرواح التي تزهق على الطرقات والأموال التي تتبخر من الاقتصاد الوطني، والشكوى الدائمة من عدم إعطاء المشاة حقهم في السير بأمان، وحق ذوي الإعاقة في الوقوف في الأماكن المخصصة. ومن يطلع على أرقام الوفيات والإعاقات اليومية والسنوية في المملكة يتأكد أنها من أعلى النسب في العالم، والحل يكمن في دعم المرور بالعنصر البشري والمادي لتكثيف تواجده، ذلك أن من أهم أسباب الحوادث هو التهور في القيادة وتجاوز السرعة على الطرق السريعة وداخل المدن. من المؤسف وجود نية في زيادة السرعة القصوى إلى 140 كم في الساعة مع أن معظم دول العالم قد حددت السرعة بـ 120كم أو أقل، ذلك أن صعوبة التحكم في المركبة وكثرة الحوادث المميتة تسير بشكل طردي مع زيادة السرعة، أي أنه كلما زادت السرعة زادت نسبة الحوادث ومعها نسبة الوفيات والإعاقات وكثرة شاغلي الأسرة في المستشفيات. ناهيك عما تسببه السرعة من زيادة استهلاك الوقود وهو ما يعني زيادة التلوث الصادر من المركبات. الحل لا يكمن في زيادة السرعة بل التأكد من الالتزام بتطبيقها عن طريق زيادة أفراد المرور والدوريات وأمن الطرق وحسن اختيارهم وتدريبهم، مع الاستعانة بوسائل التقنية التي تراقب وترصد المخالفات.

ثانياً: البيئة لها تأثير كبير على الهواء الذي نتنفسه والغذاء الذي نتناوله، والمملكة بحكم وجودها في منطقة شحيحة في أمطارها، وفي كثرة الرياح التي تسبب الأتربة وما يصاحبها من أمراض الربو والحساسية يحتم علينا أن نهتم بأهم عناصر جودة البيئة كحماية الأشجار والإكثار من غرسها ورعايتها فهي الرئة التي من خلالها تتنفس المدن وتتجمل الأودية، واليوم يوجد رعي جائر واحتطاب لأشجار معمرة حتى تم تجريد أودية ورياض بكاملها من الغطاء النباتي، كما تم القضاء على معظم الحياة الفطرية داخل المحميات وخارجها مما يحتم سرعة استحداث شرطة بيئية تشمل كل مناطق المملكة لمراقبة التعديات وتطبيق أنظمة المراعي والغابات، والنظام العام للبيئة، ونظام المناطق المحمية للحياة الفطرية، ونظام صيد الحيوانات والطيور البرية، وغيرها من الأنظمة ذات العلاقة.

تطبيق الأنظمة بحزم وبصفة مستمرة يكسب البلد وساكنيه فوائد كثيرة، اجتماعية واقتصادية وحفظ الأنفس ومنع الإعاقات المصاحبة للحوادث بكل أشكالها، وإيجاد بيئة صحية تبعث على السعادة والصحة البدنية والنفسية. إضافة إلى فوائد كثيرة منها خلق وظائف يدفع تكاليفها كل مستهتر بتطبيق الأنظمة وعدم احترامها.