بداية شهر سبتمبر 2007 وصلت لمنسوبي جامعة "كارنيجي ميلون" رسالة إلكترونية تدعوهم لحضور محاضرة بعنوان "حقق أحلام طفولتك" للدكتور راندي باوش أستاذ علوم الحاسب في نفس الجامعة.

لم تكن الدعوة عادية، فالكثير من منسوبي الجامعة يعرفون نجاحاته وأسلوب تحدثه، غير أن المثير هنا أنه شُخّص قبل شهر واحد بسرطان البنكرياس للمرة الثانية، بعدما كان تعافى منه قبل أشهر قليلة، لذا سوف يكون هذا الظهور الأخير له، كون الأطباء أكدوا أنه لم يتبق في حياته سوى ثلاثة إلى ستة أشهر فقط، والعجيب في الأمر أن هذه المحاضرة الأخيرة تحولت بعد انتشارها إلى محاضرة بداية انطلاق للآلاف ممن شاهدها أو استمع لها.

في اليوم الموعود تدفقت الجموع حتى غصّت بهم القاعة، كان "أندي" والد الثلاثة أطفال كلهم دون الخامسة من عمرهم ينتظر ضيوفه بابتسامة لافتة، وعلى الفور بادله جمهوره بتصفيق طويل، بدأ محاضرته بالحديث السريع عن حالته الصحية وكيف أنه محاط بأفضل الأطباء، وأن هذا هو واقعه الذي يجب أن يتعامل معه بإيجابية نظراً لأنه لا يستطيع تغييره، ليبدأ بأول دروسه؛ وهو أنك لا تستطيع تغيير أوراق اللعب ولكنك تستطيع تغيير طريقة اللعب.

انطلق بالحديث عن أحلام طفولته، وكيف جاهد لتحقيقها رغم سخافة بعضها، حتى ولو بأسلوب مختلف أو نهايات غير متوقعة، والأهم إيمانه بالدور الذي يجب أن يلعبه كل منا في مساعدة الآخرين على تحقيق أحلامهم، وكيف كان يشعر بالسعادة الغامرة حينما يفعل ذلك، ناهيك عن الدروس التي استفادها من الأشخاص الذي قابلهم وعمل معهم طوال حياته.

في المحاضرة الكثير من العبر والدروس، أولها التكيّف مع الظروف، بدلاً من التوقف وندب الحظ، ثم ضرورة أن يكون لدينا أحلام محددة وذات أولويات واضحة، فتحديده لأولوياته أنقذ "أندي" من الوقوع في مأزق "المتردد"، مثلما وافق على التفرغ بدون راتب للعمل مع فريق "ديزني" في لعبة "علاء الدين" بدلاً من وظيفته الأكاديمية، والسبب أن هذا التفرغ يحقق أحد أهم أحلام طفولته، مما يؤكد أن تحقيق الأحلام العظيمة يحتاج تنازلات أعظم. أيضاً يضيف الرجل الذي كان يأمل تجربة انعدام الجاذبية أنه إذا لم يصبح بمقدورك تحقيق حلمك؛ فلا تتوقف عنه بل حاول البقاء بجانب أولئك الذين تمنيت أن تصبح مثلهم، وهو ما أتاح له تحقق حلمه في "الجاذبية" حينما رافق طلابه في رحلة نحو السماء.

يؤكد "باوش" في محاضرته الرائعة أن الحياة سلسلة متصلة ببعضها، وأنه حينما يتقدم العمر بنا قليلاً، لا يجب أن نتنازل عن أحلام طفولتنا، لذا أدعوك وبشدة لمشاهدة الخمسة وسبعين دقيقة من حديثه الصادق، ولحسن الحظ أنها متوفرة بترجمة عربية على اليوتيوب. ودوماً تذكر أنك أنت من يصنع ردة فعلك على ما يحدث لك في الحياة وأن حياتك ليست أجزاء متفرقة تعيش كل جزء منها بمعزل عن الآخر كما يقول الراحل "باوش".