«يجب أن نقرأ لنزيد من قوتنا.. الإنسان الذي يقرأ هو إنسان مفعم بالحياة، والكتاب ما هو إلا وعاء من نور يقبع بين يدي من يقرأ»

(عزرا باوند)


الكتابة مهنة مهمة، وليست مسؤولية الكاتب الحضور فقط -هذا مفروغ منه- ومردوده شخصي، ولكن للفائدة العامة فإن هناك شرطاً أساسياً أن يكون الحضور مرتكزاً على قاعدة معرفية صادقة، حيث إنه عندما يتحدث عن موضوع ما فإنه يعطي حسب قدرته المعرفية وحدودها مهما كبرت أو اتسعت أو تواضعت وانحصرت في دائرة ضيقة، فهو هنا يسجل ويبوح بما يعلم، وعندما يزيد على حدوده بغية لفت الانتباه إليه، فإنه حتماً ومن المؤكد سيقع في حرج؛ حيث سيظهر على حقيقته أمام متابعيه الذين كانوا يأملون منه المزيد ومنحوه الثقة، فإذا به يتمادى ويتطاول وينتفش كما الطاووس ناظراً إلى جماله مختالاً، دون أن يعي أن هذا الجمال في حكم الزيف الذي لا يتعدى الشكل، أما المعاني فهناك من يمتلكها ويقدر على تجسيدها على المقاييس التي تناسبها.

فالكتابة تحتاج إلى وقود تزود به لكي تعطي المراد، والمقصود منها أنها تنير وتفيد المعطي والمتلقي، ففي القراءة ما يساند الكاتب ويغذيه ويقويه على أن يثبت قدرته على معالجة المواضيع والقضايا المختلفة، فكاتب دون قراءة كما شجرة دون ثمرة، وهذا صحيح، ومقياسه المؤكد له ويمكن تطبيقه على متابعة كاتب "ما" من الكتّاب في الداخل أو الخارج من الكتّاب الذين يطلّون بشكل مستمر، فالقياس سيبدو واضحاً عند أكثر من واحد منهم، ويستطيع المتابع أن يدرك مدى اطلاع الكاتب وقت تدقيقه فيما يتناوله من مواضيع، إذ تبرز في كيفية معالجته للموضوع الذي يتناوله، في طرح الفكرة وأسلوبه في الطرح والتوصيل، إذ تبدو هذه العوامل (= التزود/ المتابعة) متحركة ومتطورة، إطارها المواكبة والإضافة وملامسة المستجدات وتمهيد السبيل لكي تكون سالكة لاستيعاب ما يتطلبه الواقع المعاش من معرفة وفكر هدفه التنوير يتكئ على مخزون من الوقود (= القراءة) الذي لا ينضب معينه، وهذا ليس في الكتب الجديدة فقط، ففي التراث العربي ما هو زاد دائم لمَّا يزل قادراً على أن يثري معارفنا وثقافتنا كما استفادت منه على مر العصور الثقافة الكونية في سائر المعمورة.

*وقفة

أنا من بدل بالكتب الصحابا

لم أجد لي وافياً إلا الكـتـابا

صاحب إن عِبْته أو لم تعبْ

ليس بالواجد للصاحب عـابا

كـلـمـا أخْـلَقته جدّدني

وكساني من حِلَى الفضل ثيابا

(أحمد شوقي*)