سبق أن تناولت هذا الموضوع الحساس عدة مرات وقد أشرت الى أننا كثيراً ما نتعجل

وكثيراً ما نلوم بعض أصدقائنا، أو بعض المسؤولين، عندما يجابهوننا بمواقف قد لا تعجبنا وربما تصدمنا. والحقيقة ان للإنسان العذر عندما يأنف ويألم وتتحرك لديه الكرامة والعزة حينما يحس بالتجاهل أو الانصراف أو الإهانة. فرأس مال المرء الكريم كرامته. كل شيء قد يتحمله الإنسان إلا الإهانة المتعمدة والإذلال المقصود.. فالإنسان بلا كرامة ناقص الإنسانية بل عديمها.

قد يتحمل الإنسان المرض، والجوع، والفقر، ولكن الإهانة طعمها مر لا تُسيغه نفس الحر الكريم حتى وإن أدى الأمر أحياناً به إلى التلف.

فكثيرون عبر التاريخ دفعوا حياتهم ثمناً لكرامتهم وماتوا وهم شرفاء.

أما الذين لا كرامة لهم فهم يموتون كل يوم مرة أو مرتين بل ربما أنهم أموات حتى وإن كانوا أحياء أصحاء يتمتعون بصحة تفوق صحة البغال.. لأن هؤلاء بكل بساطة ولدوا بلا كرامة ومن ثم فإن مناطق الإحساس لديهم ميتة.

وقديماً قال المتنبي:

ما لجرح بميت إيلام

ولكن المشكلة أحياناً أننا نفرط في الحساسية نحو الكرامة إلى درجة أننا ربما لا نميز بين إهانة الكرامة المقصودة وغير المقصودة أو ربما بسبب ما نفسره نحن على عجل بأنه إهانة لكرامتنا بمجرد أننا فسرنا موقفاً معيناً تفسيراً عاجلاً مبنياً على رؤيتنا أو تقديرنا للحدث قبل التأكد من صحة توجهه وأسبابه.

قد نغضب على الصديق ونقاطعه بسبب موقف ولكننا نجهل الأسباب المحيطة بهذا الموقف. قد نغضب من القريب ونقاطعه بسبب تصرف قد لا يكون مقصوداً، وربما أن هذا التصرف قد يكون اجتهاداً خاطئاً من قبل الآخر.

قد نغضب من المسؤول أو الرئيس بسبب تصرفه في فورة حماسته للعمل وما كان قاصداً لإهانتنا ولكن حماسته للعمل جرته إلى ما ظننا انه إهانة.

صحيح أن الفارق بين التصرف الغاضب وبين الإهانة قد يكون دقيقاً أو يصعب تمييزه، ولكن هذا يجب ألا يفقدنا المقدرة على الهدوء والاتزان والنظر إلى الموضوع بالحكمة.. وأن ننظر إلى الجانب الايجابي في بعض المواقف أكثر من النظرة السلبية.

وصحيح ان مساحة الزمن قد تكون ضيقة ومن ثم لا يجد المرء وقتاً كافياً للتأمل وتحليل الموقف، ولكن الصحيح أيضاً أننا لو استطعنا ضبط النفس لاستيعاب الموقف ومن ثم تحليله ومعرفة نتائجه لكان الأمر أفضل ولكانت ردة الفعل مبنية على واقع حقيقي وليس على انفعال وهمي.

علينا أن نعطي للصديق، وللقريب، وللمسؤول فرصة للعذر ما وسعنا ذلك وألا نبني أحكاماً عاجلة من شأنها أن تؤثر أو تبتر العلاقة بأولئك لمجرد أننا أسأنا الظن أو سمعنا خطأ.. أو فسرنا تفسيراً غير سوي بحجة أننا ندافع عن كرامتنا.

والحقيقة اننا قد نخسر أولئك وقد نخسر معهم الكرامة أيضاً.