الشارع الثقافي وسط مدينة الرياض تظاهرة جديدة وبداية مهمة طالما نعيش شحاً هائلاً في ملء فراغات تنشيط ذاكرتنا، وتنمية وعينا الاجتماعي حتى أن الإقبال من مختلف الطبقات، وخاصة المرأة، زاد من قيمة التظاهرة، ولعل تنوع المعروض من فنون ومكتبات متنقلة، ورموز لبعض مدننا ومختصين بالتوعية الصحية والإسعافات والعديد من المعروضات شكلت صوراً جاذبة للجميع..

الحديث عن المهرجان يجعلنا نتفاءل بتطويره بحيث يشكل أنموذجاً يعكس واقعنا الثقافي ولا يقتصر على مدينة الرياض صاحبة المبادرة الأولى، لأن قابلية تعميمه على مدننا ممكنة جداً وفوائده ستكون عظيمة، ما يهمني ليس فقط المشاهدة، وإنما تفاعل المواطن، وخاصة في مجالات الفنون التشكيلية التي لم تحظ بالدعم المادي والمعنوي رغم وجود أعمال رائدة للعديد من الفنانين، ثم إن القيمة الفنية للذائقة الشخصية أو العامة هي جوهر التفاعل بين مبدع العمل ومتلقيه، غير أن مفاهيمنا لا تزال بطور الوعي لقيمة مثل هذه الأعمال التي طالما تفاخرت بها شعوب وحضارات وأصبحت مصدر دخل مادي وشهرة عالمية..

الملفت للنظر وجود كم معقول من التشكيليين، كان على رأسهم المخضرم (عثمان الخزيم) بآخر أعماله، وكذلك فنان لرسوم «الكاريكاتير» مشهور على «الفيس بوك» المهندس «عيسى علي التميمي» بشخوصه المميزة وإلمام الفنان بأعماله، وهناك آخرون من الجنسين كانوا التجسيد الفني للشارع الثقافي وتميزه بحضورهم الخاص..

النحاتة والفنانة الكبيرة (وفاء القنيبط) كانت الأميز بين الحضور والمعروضات فأعمال النحت على الحجارة، والنحاس والحديد والخشب ومعظم ما يحتاجه الفنان من مواد طبيعية، كانت المفاجأة الكبرى في الشارع، حيث من سيرتها الشخصية وجهادها الوصول إلى مهارة أعمال النحت أن خاضت معركة الوجود من البدايات الأولى في المملكة، ثم اكتمال دراستها في أميركا وحصولها على شهادة الماجستير في هذا التخصص، يميزها شخصيتها المتواضعة وصبرها الكبير بين واجبات الأمومة والدراسة، وهي صورة لصانعة إرادتها بقوة إيمانها حتى أعمالها في النحت تجد الإيمان الديني المحور الأقوى في تجسيد الصلاة، وأسماء الله الحسنى واسم نبينا العظيم تتكرر في معظم منحوتاتها..

نموذج (وفاء) من النساء في مجتمعنا نادر، لكنها وضعت البذرة الأولى لشخصية المرأة لتفتح مدرسة لغيرها، ولعل من سبقوها من النحاتين، وخاصة في الدوادمي كمدينة حاضنة، يجعلنا نطالب بإلحاح تام إبراز أعمالهم ليس في صالات العرض، وإنما بساحاتنا، وملتقى طرقنا ومداخل مدننا لتظهر للعالم أننا لسنا بيئة بلا حس فني وعطاء مميز، وأن لدينا نفس الامتياز الذي حصل عليه فنانون عالميون..