عام 1637 كتب رينيه ديكارت مقالاً عن المنهج بأهمية مئات الكتب التي بحثت في فلسفة الشك، وأسس لمنهج للبحث العلمي واُعتُبِر مقاله منعرجاً مهماً في تاريخ الإنسان المعاصر، وهو أن لا يقين فيما نحققه، لأن حجم الأسئلة التي واجهته بعد أن أنهى دراسته فاقت كل تلك التي وجد لها إجابات خلال دورته الدراسية.

وقد قال: "وجدت نفسي متورطاً في الكثير من الشكوك والأخطاء، واكتشفت أني لم أكن متقدماً بما فيه الكفاية، إذ في كل منعطف جديد أصطدم بجهلي لبعض الأمور".

كل عالم تحركه عبقريته للذهاب بعيداً في أسرار الكون ومخلوقات الله، إلا إذا اصطدم بعقل آخر تشوشه عاطفة مهزوزة.

منذ قرون كُفِّر أكثر علماء المسلمين ذكاء وفهماً وتأسيساً لعلوم الرياضيات والفيزياء والطب، كانت العلوم آنذاك أقوى من أن تتحملها رؤوس الناس، فكان تكفيرهم وقتلهم أسهل من الانتظار لرؤية النتائج، أو الدخول في مناظرات علمية تؤتي مزيداً من الثمار، اختصرت تلك الرؤوس المستسلمة ليقينها الخاص طريقاً طويلاً من الاجتهاد بضرب رقاب "الكافرين"، هكذا مات من مات وهرب من هرب لبلاد الله الواسعة، فانتشرت العلوم هناك وتطورت فتبناها أمثال ديكارت بعد قرون، وأسسوا لمنهج قامت عليه الثورة العلمية في الغرب.

في ذكرى وفاته الـ 367 التي حلّت هذا العام، فوجئ العالم بأن احتمال موت ديكارت مسموماً وارد أكثر من غيره، وأن من دس له مادة الزرنيخ في طعامه لن يكون سوى القس فرانسوا فيوغي الكاهن الفرنسي المكلّف بالتبشير بالكاثوليكية في الشمال الأوروبي بدءاً بإقناع الملكة السويدية بتغيير مذهبها، وقناعاتها.

ومن سوء حظ ديكارت أن الملكة تعلّقت بأفكاره وليس بأفكار القس فكانت نهايته.

تبدو المعلومة بعد هذه القرون أكثر من "وحي"، لأن الإنسان بكل ضعفه يستطيع أن يتحوّل إلى مجرم في لحظة لا يفرّق فيها بين الإيمان والمخاوف الشخصية، فالقس لم يكن خائفاً سوى على مصيره ومورد رزقه ومكانته وسلطته في مجتمع كان يعتبره الوسيط المباشر بينه وبين الله، وهذا ما ليس موجوداً في الفكر الإسلامي والرسالة المحمدية تحديداً، التي ألغت أي شكل من أشكال الوساطة بين العبد وربه، وكل أشكال التسلط واستعباد البشر للبشر، بالتالي فعودة لموضوعنا عن علماء المسلمين ومصائرهم البائسة فإن تكفيرهم وتصفيتهم نابع من غيرة بشرية خالصة، ولنأخذ قصة البيروني الذي كفّر الرازي نموذجاً، وكلاهما عالم، وكلاهما منارة علمية لزمنه...

كل ما نحتاجه إذاً هو إعادة قراءة لتاريخ علمائنا، حتى نخرج من ذلك "القين" السخيف الذي يتهمنا بالإجرام لأننا مسلمون.