تسطع في سماء الذاكرة مقولة مونتاني: «لو كان للكذب -كما هو شأن الحقيقة- وجه واحد لكانت العلاقات بيننا أحسن ممّا عليه، فيكفي أن نحمل على محمل صدق نقيض ما ينطق به الكاذب منّا. إلا أنّ نقيض الحقيقة له مئة ألف وجه ولا يمكن الإلمام كلياً بالحقل الذي يشغله».

أكثر المتشائمين لم يتوقّع أنّ دويلة قطر تجسُر على ارتكاب كل هذه الفظاعات من تآمر مع الأعداء، والتخلّي اللامسؤول واللاأخلاقي عن العروبة والدين وتبيع أشقاءها لمجرّد أطماع دنيئة باعثها حالة التضخم الذاتي التي تلبّستها وأخذت طابعاً خرافيّاً في تقدير إمكاناتها وقدراتها مع حالة من الامتداد الوجودي الوهمي جعلها لا ترى أحداً سواها وأنّها بمالها القذر تستطيع تسييل شرورها ومقاصدها الدنيئة ومؤامراتها ضد جيرانها. لقد سيطر هذيان العظمة على تلك الدويلة وراينا تمرّداً شديداً جاء كتعويض على مشاعر النقص التي اعتورتها، كما شاهدنا ذلك التحشيد الإعلامي المرتزق عبر العاهات الإعلامية الرخيصة التي لفظتها مؤسساتها وكان شراؤها من السهولة بمكان.

حالة التوحُّل والاستغراق في مستنقع الخيانات والمؤمرات والاستمتاع بالإيذاء وتصدير الشرور للآخرين التي تفرّدت بها دويلة قطر، تُعدُّ فرصة ثمينة ونادرة للاستقصاء والدراسة للسلوكيات والعِلل والأمراض النفسية للباحثين ودارسي حالات الأمم والمهتمين بعلم الأنثروبولوجيا؛ ذلك أنّها في فترة وجيزة أظهرت من السلوكيات والمواقف والتناقضات المريبة والادعاءات ما تعجز عنه دول عتيدة في الإيذاء وتصدير الشرور والدسائس والخيانات. كل ذلك يتم ببراعة وتلذّذ يعكس خللاً نفسياً وسلوكياً وشعوراً بالدونية استعاضت عنه -توهُّماً- لسدّ هذا النقص واجتثاث الشعور بالنقص تمثّل في سلسلة من التآمرات الصفيقة المخجلة التي جعلتها تنسلخ عن كل قيمها وتتجرّد من أبسط مقوّمات الإنسانية التي تتوافر في أقل الشعوب تحضّراً ونُبلاً.

فمن خلال استقراء لشخصية هذه الدويلة الهزيلة تجسّد لنا المعنى النفسي للنكوص الذي يكيّفه علماء النفس بأنه ارتداد وعودة إلى الوراء من مرحلة نضج -هذا إذا سلّمنا جدلاً بنضجها- إلى مرحلة أخرى طِفليّة تتميز بالاتكال والتبعية، ويأتي النكوص كردة فعل على مآزق لا تجد فيها نفسها قادرة على مجابهتها فتنكص إلى أساليب تحاول من خلالها الخروج من هذا المأزق، وهو ما يفسّر ارتمائها في الحضن الإيراني دونما وعي أو تفكير فضلاً عن اعتبارات الدين والجوار ووشيجة القربى بينها وبين أشقائها وجيرانها.

وإزاء واقع مخجل يعيشه الإعلام القطري وعلى رأسه قناته المدلّسة والمنقوعة في ماخور الزيف والتضليل "الجزيرة"، يبرز سؤال جوهري سبق وأن طرحه الكاتب الفرنسي باسكال بونيفاس:

لماذا "المُغالِطون" لا ينكشفون بل ينتفعون، بالعكس، من امتياز مقارنة بالنسبة إلى أولئك المفرطون في الدِّقّة ليتجرّؤوا على التحرُّر من قواعد النزاهة الثقافية؟ كيف نفسّر هذا الإفلات من القصاص؟ ليجيب باسكال: "أصبح احترام النزاهة والكرامة في تناقص كي نكون محميين دائماً. لم يعد المثير للسخرية يقتل على الإطلاق، حتى بدأ يظهر في بعض الحالات على أنه تورُّط الفتوّة الدائم. ويختم بمرارة: "النزاهة الثقافية لم تعد ميزة العرض الإعلامي".