ردود الفعل الغاضبة التي قوبل بها التوجه الأميركي إزاء القدس المحتلة ونية واشنطن نقل سفارتها إليها لا يمكن بأي حال تجاهلها أو التقليل من أهميتها خاصة وأن الولايات المتحدة كانت ولا تزال الشريك الضامن في أي تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

التوجه الخاطئ المتمثل في اعتراف الإدارة الأميركية بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل من شأنه زيادة التوتر في المنطقة وينذر بمستقبل مجهول لا يمكن التكهن حتى بملامحه، فالقدس ليست مجرد مدينة بمفهوم الجغرافيا أو محطة عابرة من محطات التاريخ.

الموقف القوي لخادم الحرمين الشريفين الذي أكد للرئيس ترمب أن أي إعلان أميركي بشأن وضع القدس يسبق الوصول إلى تسوية نهائية سيضر بمفاوضات السلام ويزيد التوتر بالمنطقة، لم يكن من باب تسجيل موقف بل كان حديثاً مسؤولاً من موقع الملك سلمان زعيم الدولة الرائدة إسلامياً وعربياً والمؤثرة عالمياً، ويقوم على قراءة مستقبلية دقيقة وفق معطيات الحاضر.

الملك سلمان أكد خطورة الخطوة التي من شأنها استفزاز مشاعر جميع المسلمين نظراً لما تمثله القدس حاضنة قبلتهم الأولى من قيمة عظيمة، وهو ما يعني انتهاء أي عملية تسوية سلمية للقضية الأهم في الشرق الأوسط قبل أن تبدأ، إضافة إلى زيادة تعقيد الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ومعها مشاعر الكراهية والاحتقان لدى شعوبها.

القدس قيمة إسلامية خالدة ومكانتها الدينية ثابتة في وجدان المسلمين، ولا يمكن لأي عاقل تصور تحويلها إلى ورقة تفاوض أو التضحية بإسلاميتها وعروبتها في أي مباحثات، ومهما كانت الضمانات حول التعايش بين أتباع الأديان على أرضها المباركة فلن تكون أكثر صدقية مما عاشه اليهود أنفسهم والمسيحيون من تسامح المسلمين الذين حكموها قروناً طويلة ومنحوا أبناءها وسكانها الأمن والسلام.

الموقف الحازم للمملكة والهبّة الإسلامية والدولية المنددة بأي إجراء يمس القدس يعطيان دلالة أكيدة على أهمية هذا الملف، ويتوافقان مع القرارات الدولية المتعلقة بالقدس وفي مقدمتها القراران 242 و 338 اللذان ينصان على عروبة القدس واعتبارها محتلة من قبل الكيان الصهيوني الغاصب، ويمنحان صانع القرار الأميركي فرصة للإجابة على تساؤلات جوهرية في هذا الشأن وهي لمصلحة من كل ما يحدث.. ولماذا هذا التوقيت بالذات؟