أوضحت الدراسات أن غالبية آلام الصدر ليست من القلب وإنما من الأعضاء الأخرى التي تشارك القلب التجويف الصدري مثل المريء والرئتان وعضلات الصدر والغشاء البلوري ولكن أخطر هذه الآلام على الإطلاق هو الذي ينشأ من آلام الشرايين التاجية أو بمعنى آخر جلطات القلب الحادة. وهناك مفاهيم مهمة لابد من الإشارة إليها في هذا السياق، فمريض القلب عندما يأتي إلى الطوارئ يجب ألا يكون تفكير طبيب الطوارئ نمطياً، ولا يفكر إلا في حالات القلب وأمراضه وإنما قد يصيبه أمراض أخرى في أجهزة أخرى حتى ولو كانت شكواه تشابه شكوى القلب. وكذلك من المفروض ألا يعطي الطبيب وصف المرض النفسي لأي عرض عضوي حتى يتأكد أنه لا يجد سبباً عضوياً لذلك، ويؤكد ذلك الانطباع الطبيب النفسي فمجرد رؤية المريض لأول مرة وإجراء تحاليل بسيطة وعدم معرفة التشخيص لا يجعله مريضاً نفسياً بل يجب أن تتوقف كطبيب وتستشير من حولك ممن هم أكثر خبرة منك، وأيضاً استشارة الطبيب النفسي في ذلك، فهو تشخيص إيجابي بالإثبات وليس تشخيصاً سلبياً بنفي السبب العضوي فقط.. فقد رأيت سيدة بعد جراحة تجميل للبطن وإصابتها بضيقة تنفس بعد ذلك، وعندما رجعت لطبيب التجميل أفاد أن ذلك بسبب نفسي واتضح بعد الفحوصات أن لديها جلطة في الرئة. كما أن الطبيب ليس ملاكاً منزلاً من السماء لا يخطئ ولكنه بشر يصيب ويخطئ وقد يعتري عمله قصور بسبب التفكير النمطي الذي يطغى على الأطباء كل في تخصصه وما يتعلق به من الحالات اليومية التي يراها أمام عينيه. وإذا اختلفت النتائج بين ما يقوله المريض وبين ما تظهره الفحوصات فيجب أن يصدق المريض أولاً ويظل الفريق الطبي يبحث عن أسباب مرضية أخرى مقبولة لشرح الحالة وتفاصيلها إلا إذا كان المريض معروفاً بمرضه النفسي من قبل، وحكم الطبيب النفسي أن هذه الأعراض بسبب مرضه النفسي وليس العضوي، فإذا لم يعرف الطبيب التشخيص من أول وهلة وكانت فحوصات المريض سلبية ولا تشير لمرض معين ومازال المريض يعاني فيجب أن يكون الطبيب صريحاً مع المريض وعائلته ويقترح أن يحولهم لمركز أكثر تقدماً في التشخيص أو يتم تنويم المريض ومراقبته بعدد من الأخصائيين والاستشاريين حتى يتم الوصول إلى تشخيصه، وبذلك يؤكد للمريض وأهله أن الرسالة السامية للطب هي تخفيف معاناة المريض وإزالة أوجاعه.

وبعض مرضى الجلطات يخطئ بتحمل الألم فيأتي إلى الطوارئ بعد حدوث الجلطة بأربعة وعشرين ساعة وبعضهم بعدة أيام!! والمشكلة في ذلك أن عضلة القلب تتلف كلما طال وقت انقطاع الدم عنها بانسداد الشريان التاجي. ولذلك قيل قديماً "إن الثواني خلال حدوث الجلطة من الذهب" والحقيقة التي لا مراء فيها أنها أغلى من ذلك بكثير لأنها تعادل حياة الإنسان التي ليس لها ثمن على الإطلاق.

وقد يعزو بعض المرضى ذلك الشعور إلى ألم في العضلات أو"ريح" في الصدر ويستحيي أن يتصل بالإسعاف "ويطلع ما فيه شيء"!!.. والنصيحة التي ننصحها لهؤلاء بألاّ يتردد الشخص في الاتصال على الإسعاف ويترك قرار نقله إلى المستشفى من عدمه إلى فريق الإسعاف المؤهلين في تقييم مثل تلك الحالات بالذات في ألم الصدر الذي يقع خلف عظمة القص على شكل ثقل أو حرارة أو ألم يعصر القلب عصراً ويستمر أكثر من خمس دقائق وقد يستمر لساعات عدة يخف ويزداد وينتقل إلى الرقبة والكتف واليد اليسرى أو اليمنى أو كليهما ويكون عادة مصحوباً بكثرة التعرق وضيق التنفس. ومن المفاهيم الخاطئة عند البعض أن الألم الذي يتلاشى "يروح" ليس من القلب والحقيقة أن ألم القلب من الممكن أن يكون مستمراً أو متقطعاً لفترات تطول وتقصر وليس بالضرورة أن يكون شديداً فقد رأينا عدة حالات خصوصاً في كبار السن ومرضى السكري والنساء يكون فيها الألم في بعض الأحيان بسيطاً ويهمله المريض ثم يتضح بعد عدة أيام أنها كانت جلطة في القلب حسب ما يؤكده التصوير النووي والصوتي والتخطيط الكهربائي للقلب. و"النافذة الذهبية" هي أول ست ساعات من حدوث الجلطة؛ لأنه يمكن فيها إنقاذ عضلة القلب من التلف أما بعد ذلك فكلما طالت المدة كلما زادت نسبة التلف في عضلة القلب، والمشكلة في تلف العضلة هو فشل عضلة القلب واحتقان الرئتين وتورم القدمين بسبب ضعف أداء عضلة القلب بالإضافة إلى زيادة نسبة اختلال الكهرباء البطيني الذي من الممكن أن يؤدي إلى الوفيات المفاجأة. ولذلك فإن الوقاية من كل ذلك بسرعة استدعاء الإسعاف "وليس التوجه إلى الطوارئ بنفسك" له دور كبير في حماية عضلة القلب من التلف، وهنا نقطة مهمة جداً لأبنائنا طلبة وطالبات الطب أن الحالات الصعبة في التشخيص ابتداء ليست حالات نادرة جداً لا تجدها إلا في بطون الكتب القديمة وإنما في الغالب هي ظهور المرض الشائع بصوره غير المعتادة للأطباء، وهذا المفهوم هو حجر زاوية في معالجة المرضى في الطب الحديث، أسبغ الله علينا وعليكم لباس العافية.

عبدالرحمن محمد المنصور للتواصل مع مشرف الصفحة:amansour@alriyadh.com

يجب عدم إهمال ألم الصدر أو التهاون به
تخطيط القلب له دور فعال في تشخيص آلام القلب
أغلب آلام الصدر ليس من القلب منشؤها