قرأت مقالة فهد الأحمري في حينها، قبل أن يزكيها الأمير خالد الفيصل ويوسع مساحات نشرها ليطلع عليها القارئ العربي، قرأت المقالة في مجموعة على "الواتس آب" للأقلام السعودية والخليجية. قرأتها وبكيت تأثراً، ليس لأن ما قرأته غريب عليّ وصادم، بل لأنه يشبهني ويشبه أجيالاً بأكملها عاشت معاناة طلب العلم والاجتهاد من أجل تحقيق الغايات المرجوة وسط ظروف جد صعبة لا يعرفها العالم "المدلل" عنّا، فأرسلت رسالة لكاتبها أشيد بما كتبه، وكان رده الرّاقي نقطة أخرى تحسب له.

ولعلّ كل من شابهنا في معاناتنا المبكرة سيعرف قيمة ما ورد في المقال، وسيعرف أن بادرة الأمير خالد أثبتت مرة أخرى أن هذا الرجل الحكيم راعٍ ممتاز ومميز للثقافة في بلاده وفي العالم العربي والإسلامي، ولي معه شخصياً حادثة لا يمكنني أن أنساها، ولا أن أنسى شخصه الكريم وحكمته التي أدهشنا بها خلال مؤتمر لمؤسسة الفكر العربي في بيروت، حين خرج النقاش من طرف الجمهور عن سياقه وكاد يتحوّل إلى شجار تهجماً علي وعلى مداخلتي دفاعاً عن إحدى الكاتبات. علت الأصوات من القاعة، وكادت تلغى الجلسة، لولا تدخل سموه، ورفضه تماماً أن يتوقف النقاش، بل دعا أن يتم الاستماع لكل الأطراف بهدوء.

بإشارة من يده عاد الهدوء للقاعة، واستمرت الجلسة إلى نهايتها.

نعم كانت مداخلتي قوية واعتبرها البعض شرسة فتمنوا أن أسكت، لكن تدخل سموه عالج الأمر سريعاً، منتصراً لحرية التعبير والتفكير لإعادة أصول الحوار وتشغيل العقل.

في ندوات كثيرة في بيروت وعواصم عربية كثيرة كان تكميم الأفواه أحياناً طريقة لإخراس طرف معين وإنهاء أي سجال يفتح، إلا في تلك الجلسة التاريخية بالنسبة لي، كان الأمر مختلفاً ومدهشاً، خاصة حين تقدم مني سموه وحيّاني. لن أنسى ذلك ما حييت، وسأبقى أذكره في مقارنة أبدية مع تظاهرات ثقافية أشارك فيها باستمرار.

كان ذلك تقديراً عظيماً لكل مسيرتي، للمسافات الطويلة التي قطعتها وأنا طفلة في جبال الأوراس القاسية لأبلغ مدرستي، والكيلومترات التي أقطعها تحت صفعات العواصف الثلجية، والأمطار الغزيرة، والطقس المتوحش في تلك الجبال.

لطفولة لم تعرف الكهرباء ولا التلفزيون ولا الرفاهية التي ينعم بها أطفال اليوم.

في لحظة قراءتي لمقال الأحمري رأتني مراهقة لم أتجاوز الثالثة عشرة أحمل كومة الثياب على ظهري لأغسلها في النهر إن كانت عطلة نهاية الأسبوع مشمسة، رأيت عنزات أمي التي أضطر لإيصالها لسفح المرعى لتلتحق بقطيع الرّاعي صباحاً والاهتمام بإعادتها مساء، رأيت كل ما هو مخالف لما أعيشه اليوم في بيروت، ولا يمكن لمن حولي أن يصدقوه، رأيتني كما أرادت إرادة الله أن أكون مخضرمة وعارفة بطقوس الحياة الصعبة وبعض تفاصيلها التي لا تصدق، فقد عشت عصراً لم يعرف من الحضارة غير الصحون والملاعق، ومكتبة البلدية الصغيرة التي غرفت منها الأدب بأنواعه والتي كانت وحدها نافذتي على العالم، حتى أن أغلب ما قرأته كنت أعتبره خيالاً إلى أن كبرت وسافرت ورأيت وتأكدت أن ما يكتبه الأدباء نابع من حياتهم وتجاربهم وواقع مُعَاش.

أدام الله قلمك الشجاع يا رفيق القلم فهد الأحمري، ومليون شكر لسمو الأمير خالد الفيصل لأنه جعلنا نشعر جميعاً بعظمة تجربتنا وتميزها -في الوقت الذي يعتبرها كثيرون مجرّد مرحلة تخلّف في تاريخنا- وبأهمية أقلامنا في هذا الزمن العصيب علينا جميعاً.