تجيء مفاجأة هذا المهرجان الفني غير المتوقع والذي يحمل عنوان "قوة الزهور".

في مدينة شومون سوغ لواغ Chaumont-sur-Loire، هذه المدينة التي تتربع على رومنطيقية نهر اللوار بحدائقها المترامية على قمم الهضاب. حدائق مذهلة لا تكتفي بسحرها وإنما تضم إليه عصارة العبقرية البشرية بهذا العدد من الفنانين العالميين الذين تستقطبهم لمهرجانها والذي يحمل عنوان "قوة الزهور"، مهرجان بعمر يزيد عن الربع قرن في عامه السادس والعشرين، والذي أشرفت على إخراجه قيمة المعارض شانتال كولو دومون Chantal Colleu-Dumond. واختارت له فنانين عالميين مثل الفنان الفرنسي ستيفان قيرون Stephane Guiran في عمله الرائع "عش الهمسات Le nid des murmures"

وفنان الديجتال ميجيل شوفاليبه Miguel Chevalier.

وعجيب أن يخصص مهرجان فني ليس فقط للزهور وإنما لسطوتها وقدرتها الكمينة على الاستئثار بالقوة، وذلك كما يشرح المنظمون للمهرجان "فإن الزهور على رقتها وهشاشتها وعمرها القصير فإنها شبه خالدة بعنفوان جمالها وألوانها وعطرها القادر على الفتن وخلب الألباب والسحر والشفاء بل والقتل أحياناً، ولقد اعتقد البشر في العصور السابقة في قدرة الزهور ليس فقط على تغيير العالم بل وعلى تغيير القلوب والأرواح".

المهرجان يضم عدة أقسام تتوزع بين الحدائق المترامية وقصر اللوار، فهناك قسم المشاتل والذي تتم فيه زراعة وتطوير أنواع من النباتات والزهور النادرة، بينما القسم الثاني يتمثل في الحدائق المستضافة مثل الحديقة الكورية التي تذهل باختزالها والحديقة اليابانية التي تتمحور حول بركة تتوسطها الصخور المنحوتة بإزميل الطبيعة مثل أحرف كلمة ساقطة من بعد فضائي آخر.

القسم الأكبر يتمثل في أعمال ضخمة في الفضاء المفتوح لفنانين من مختلف أنحاء العالم. تلك المنحوتات التي تستلقي بعفوية وتباغتك من حيث لاتدري رابضة في ظل شجرة أو متوارية تحت أكمة أو متسلقة للأشجار التي بعمر مئات السنين، حيث يتماهى الفن مع الطبيعة بحيث لاتعود عينك تفرق بين الفن والطبيعة، عبقرية البشرية وعبقرية الطبيعة، يصير كل ما تراه فناً حتى ثمرات البلوط التي تناديك كقناديل تتحدى أبدع القناديل المصنعة من قبل الحرفيين.

وينجذب عشاق الفن للسير في السحاب، في تلك الممرات والجسور التي تكمن بانتظارك بين السحب.

القسم الأهم يجتمع في إصطبلات قصر اللوار، تلك الإصطبلات التي حافظت على عرباتها القديمة الواقفة بانتظار سائقيها، والسروج المصفوفة بأناقة بانتظار جيادها، بينما يستقبلك متوسطاً الباحة العمل المسمى نهر اللوار الصغير، وهو عبارة عن شريحة نحاس مبعجة تعكس السماء والأنوار وتتحول أمام نظرك لمنمنمة لوار صغير بحق.

وأمامك حديقة لا تصعد من التربة وإنما تهطل أغصانها وزهورها كمطر من سماء البهو، حديقة بدأت مزهرة حين تعليقها في الربيع، لكنها خضعت لتغيرات الفصول وتحولت الآن في الخريف لأغصان بلون الذهب.

أعمال مذهلة بلا حصر تثير الإعجاب بهذه المدينة الصغيرة الأقرب لقرية والتي نجحت في استقطاب العالم بما وفرته من واحات الإبداع. مثل يحتذى لتوجيه الوعي بقوة الفن في إعادة خلق المدن وضمان ازدهارها.