لا أعرف كيف احتل المكان وتداعياته ذاكرة الشجن فينا.. لدرجة أن أول بيتٍ شعري ناضجٍ بلغنا لم يجد ما يستهل حضوره بيننا إلا الدعوة للبكاء هكذا "قفا نبكِ"، ثم برّر دعوته بذكرى المكان..

حسنًا ياجدنا...

"قفا نبك" ياجدي وقفنا على غدٍ

وصرنا إلى الماضي ولم نتبدّلِ

ركبنا غبار العمر حلمًا وثورةً

وصرنا إلى ذكرى حبيبٍ ومنزلِ


الأماكن القديمة التي ترتمي في أحضان ظلالها المنهكة.. احتفظت دائماً بتفاصيل التاريخ حين تتحوّل الذكريات فيه لصورٍ على جدران المكان، يجتمع فيه الزمن بأهله والتاريخ بتحوّلاته والأرض بما عليها..!

إنها الوجود في تجلياته الزمنية، ولهذا ظلّت ربما وحدها أكثر أشكال التاريخ السائل وضوحًا أو أكثر صور جغرافيا التاريخ شجنًا...


لا تجيئي إلى البحرِ يأخذني الموجُ نحو الجزيرةِ

يطعمني البطُّ من خبز سُوُّاحِهِ في بحيرتها الراكدةْ

بعد تغريبة الريح فوق الممرِّ المؤدي إلينا ...

كان لونُ الغريبيْنِ أولى

وبطُّ البحيرةِ أحلى

غرورُ المدينةِ في خطوةٍ واحدةْ

لاتجيئي إلى البحرِ لاشيء للريحِ فيه،

ولا للملوحةِ ديْنٌ لدى الرملِ حين استعادتْ مياهَ السماء إليها...

دعينا هنا نطعم البطَّ وحشتنا.. وغناء المساء إلينا

قد أعودُ إليهِ متى ما انتهتْ رحلتي في بلادِ التعوُّدِ ..

لكنني الآنَ لابحرَ يأخذني موجةً للنهايةِ

أو مركبا في ظلالٍ مسيّجةٍ بالغروبْ

إنها سيرةُ الحزنِ في أول العمرِ أو أوّل الشعر

لافرق مابيننا حين قال أبونا الكبير ( قفا نبكِ ) ..

ثم بكينا طويلاً إلى آخر الأغنياتْ

متعبٌ من حكاياتنا ..

نائمٌ في تفاصيلها مثل طفلٍ صغيرٍ يخاف الظلامْ

أولُ البحرِ كنتُ هناكَ أعدُّ النوارسَ ثم أحذِّر من جوعها سمكًا راقصًا للنجاة

حين قال الرواة:

مضى في الملوحةِ حتى طفا نائمًا فوق شمسٍ بعيدةْ ...

ثم عادَ لنا مطرًا يترك الرملَ سنبلةً للقصيدةْ ..

مضى للحياة..!