"في شعري انطلقت من المعرفة لا من الجهل، ومن الجذور لا من العدم. لم تكن ترعبني البحور الخليلية كما ترعب البعض. كنت أجيد السباحة، ولم أكن أشعر بعقدة نقص أمام القصيدة التقليدية أو قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، أو أي شكل شعري جديد لأنني كنت منفتحاً على كل الآفاق"

(نزار قباني)

                                   ***

الشعر بصحبة الإنسان منذ نطق بعد الإشارة أصبح يترنَّم بما يسمع حوله من أصوات مختلفة تشاركه مكانه، أخذ من الكل، ومزج بين الكلمات والتغريد وسائر الأصوات حتى أثبت مع الزمن أن لا تضاد بين اللغة والموسيقى، فكلاهما لغة تكملان بعضهما في إبداع تمثل في الغناء والمسرح والأعمال الأوبرالية والموسيقى الصافية، فهي في محل المحرض على العمل المشترك المتمازج مع الآخر في عملية تكامل أدى إلى إنتاج الروائع الخالدة، والإبداعات الخارقة الباقية مع الزمن، فلا يمكن الفكاك من اللغة الموسيقية الموقعة بالكلمات الشعرية التي تحمل نغماتها في ذاتها لتعبر عما يخالج النفس البشرية من آلام وآمال.

الشعر لا يكون بالموهبة فقط، فهناك الروافد الثقافية تبرز في كل النوافذ المنفتحة على المعارف، وخاصة ما يتقارب مع المكونات الإبداعية، فالشاعر معنيٌّ بكل شيء له صلة بالإنسان وخلجاته، وهذا قدره لكون الشعر هو الرئة التي يتنفس من خلالها.

(الشاعر فيصل أكرم) أصدر أكثر من عشرة دواوين، ومعها كتب أخرى فيها المزيج بين الشعر والنثر السردي، ولكنه يعنى بشعره ويهتم بخصائصه الفنية، ويحرص على اللغة والإيقاع بأنواعه إلى جانب المعاني الدالة على الحالة التي يعالج، وهي تظهر في المشاركات الإنسانية التي تأتي في صور تباغته حالاتها فيطيع ليرسم بإتقان.

صدر لفيصل ديوان جديد عنوانه (كالطوق من حولي تربَّع) تضمن حوالى (34) قصيدة تختلف في مواضيعها كما في تكنيكها وتوزيعها حسب تموجات الحالة التي استجابت لها القصيدة، وفي لغة مَكِينَةٍ وتوقيعات متناسقة ومتماسكة في إطار شعري لتبدو لوحة مرسومة بالكلمات، ففي القصيدة الرئيسة التي عنون بها الديوان يصف معاناته مع الغربة منذ الصغر حيث سافر من مكة إلى مصر بعد وفاة أمه وزواج والده بعدها بأخرى، ولم يطق البقاء:

غادرت مكة للبحار وكنت طفلاً لم أعِ الأشياء بعد

وأول الأشياء صادفني اغتراب

ثم برق، ثم إظلام طويل ثم رعد...

وكأن بستاناً من الأشواك يمتد احتفالا حيث أمشي.

وينقل الشاعر الصورة بشكل بانورامي مصغر:

في مصر كنت أسِيْرَ حُزن يستبد..

مع الأغاني التي رقصت على دمع الكلام.

في مصر كدت وربَّما .. من دون نزع الروح متُّ

تبللت بالموت أشرعتي فَطِرْتُ إلى هواء الشام.

في الشّام كنت ولم أكن/ إلا الجريح/ فلا بليل أستريح،

ولا أنام وإذا النهار يدور بي فكأنني/ اجتاز جسراً للعبور من الحطام إلى حطام.

تستمر رحلة الشاعر الصغير في دوران حلزوني يعود فيه إلى مكانه الذي انطلق منه، ويكون على استعداد لبدء مرحلة التَّكوين بشقيها الحياتي والثقافي التي أوصلته للراهن شاعراً/كاتباً يعطي باستمرار متفرغاً لفنه الذي يزداد ألقاً من عطاء لآخر.