كان يتناول إفطاره في مطعم الفندق على البحر. كانت الشمس مشرقة. والبحر صافياً وكل شيء يوحي بالهدوء والطمأنينة والجمال. ولا شيء يزعجه في المكان إلا رجل جلس على كرسي الطاولة المحاذية له. إذ كان إلى جانب الرجل كلب من ذلك النوع البشع القبيح له ذيل قصير وظهر مستدير ذو غضون متدامجة ورجلان قصيرتان وفم يشبه فوهه «بازوكة». وكان الرجل يطبطب عليه في حنان وود ويقبل وجهه كما لو كان يقبل فم طفله الصغير...استدار ببصره مبتعداً عن هذا المنظر القبيح. ... وظل يفكر كعادته عندما يرى مثل هذا الشذوذ والانحراف الإنساني. .حيث عاد إلى تساؤلاته حول واقع الإنسان المعاصر. في مهيته وطبائعه. وخروجه عن قانونه وناموسه الإنساني والفطري. فلماذا يخرج الإنسان عن طبيعته السوية. لماذا مثلاً كل هذا الحب المسرف والحنان والرفق والأبوة. والهوس في حب الكلاب والتعلق بها إلى هذه الدرجة التي تتفوق على حب الأقربين والأهل والأحبة.. فهذا الرجل بجانبي يأنس بكلب ويسكنه فندق خمس نجوم ويصرف عليه يومياً ما يكفي عشرة أطفال في أفريقيا. !!. وقال في نفسه لو أن ما يصرف اليوم على كلاب العالم المتحضر من مئات المليارات على أطفال العالم لما بقي في كوننا طفل واحد يعاني من الجوع والمرض والضياع والتشرد.. وظل يردد في نفسه: إنه عالم مريض يعاني من العقوق وقطع نسل الرحم الإنساني وبينما هو مستغرق في هذا الأمر الشاذ المشين المتفسخ الذي يمزق وشائج الرحمة الإنسانية وإذ برسالة مفاجئة تأتيه على هاتفه!! وحينما فتحها صدمته بشراسة وقسوة.. إذ كانت تحمل الفجيعة.. كانت رسالة لها طعم الحنظل. ووجع طعنة السكين كانت تحمل نبأ وفاة شقيقة أبيه.. صمت وانشل عقله عن التفكير وأخذ يمسح الدموع من عينيه في ألم وذهول ..كان يحبها ذلك الحب المتجذر في أعماق نفسه. وكان لا يتحمل مشاهدة حالتها تتدهور في مرضها إذ يشعر عندما يراها أن في صدره موقداً من الجمر والنار.. وها هو الآن يحس بأن شيئاً يتكسر ويتحطم في داخله.. يحس أن جذراً عميقاً انقلع من شجرة عائلته. وإن آخر ورقة في شجرة الأبوة والعمومة قد سقطت. .. وانسحب من مقعده وجاره لا يزال يطبطب على ظهر كلبه ويقبله. أما هو فأخذ يكفكف دموعه ويتنهت بالزفرات. ويضرب كفاً بكف ويقول: إلى جنة الخلد يا أم سعد.