يصدف أن تلتقي أحدهم وكان مقرباً منك منذ أيام الدراسة وتباعدت بينكم الأيام والأمكنة.. تفرح للوهلة الأولى أنك التقيته وتعبر في ذاكرتك سريعاً تلك الصور التي تشكلت في مرحلة ما قبل العشرين من عمرك.. تتحدثان وتعيدان ذكريات تلك الأيام، ولكن فجأة تشعر بمسافة هائلة تمتد بينكما دون أن يكون هناك مبرر وبالتدريج يصمت الكلام ولم يعد هناك ما يقال.. بأدب شديد تغادران.. أو تغلق الهاتف على أمل التواصل معه مرة أخرى.. وهو من المؤكد أنه لن يتم وسيظل ذلك اللقاء عابراً.. من تغير منكما؟ كلاكما تغير بطريقته وبظروفه وحياته وثقافته.. لم تعد هناك نقاط التقاء بينكما حتى وإن عاودتما اللقاء.. فلغة الحديث تغيرت والتفكير تبدل.. هذه لحظة تحصل معك ومعي.. ولم يعد يفاجئني أبداً أنني لا أجد حديثاً أديره مع أحدهم لنصف ساعة آنية بعد أن كنا نتحدث لساعات ونحن صغار...!

في الصداقة بالتحديد لا يمكنك أن تفسر لماذا لم تصبح صديقاً لأحدهم وهو زميلك في العمل لسنوات؟

ولماذا ترتبط بصداقة عميقة مع أحدهم وهو بعيد ولا تتواصلان إلا بالشهور وأحياناً بالكتابة أو الصوت..؟

في بداية سنوات العمر من السهل أن تعقد صداقة.. وتتعرف على أشخاص عابرين في أماكن مختلفة.. تتبادل معهم الأرقام وأحياناً الزيارات.. وبمرور الوقت يتقلص العدد كلما دخلت إلى سن متقدمة، الثلاثين ثم الأربعين.. ستجد نفسك مكتفياً بعدد قليل من الأصدقاء منهم أصدقاء الدراسة المقربين جداً والذين ظلوا متقاربين معك في الفكر والرؤى.. والروابط المشتركة.. عدد قليل أحياناً لا يتجاوز أصابع اليد هم من نصنفهم أصدقاء ومع ذلك تجرفنا الحياة كل يوم وقد لا نلتقيهم دائماً لظروف متعددة والتزامات الحياة اليومية التي يتآكل معها الوقت ومع ذلك لا نستطيع أن نستبدلهم أو نغيرهم فعقد الصداقات بعد الثلاثين والأربعين هو الأصعب.. ربما لأنك لم تعد لديك الطاقة الكافية والوقت لتعرف أصدقاء جدداً وتتعرف على طباعهم وكيف ينبغي أن تتعامل معهم..!

خدمة النيويورك تايمز نشرت العديد من القصص لأشخاص فقدوا أصدقاءهم بالانتقال من مدينة إلى أخرى.. ولم يستطيعوا في سن ما بعد الثلاثين تكوين صداقات جديدة.. من خلال أن الناس حين يصلون لمرحلة منتصف العمر يفقدون الرغبة في الاستكشاف وتتغير الأولويات وتبدأ المشاغل في الضغط علينا وكثيراً ما يصبح الناس أكثر تحديداً في اختيار أصدقائهم وتنتهي فترة تكوين الصداقات التي عشناها في فترة المراهقة والعشرينيات من العمر وتبدأ مرحلة الاستسلام للأصحاب العابرين الذين يظهرون ويختفون حسب المواقف..!

لاحظت لورا كاستنسين أستاذة علم نفس في كاليفورنيا ميل الناس إلى الابتعاد عن التفاعل مع أشخاص جدد كلما تقدموا نحو مرحلة منتصف العمر واتجهوا لتوطيد علاقاتهم بأصدقائهم.. يتوازى مع ذلك تخفيض سقف توقعاتك عند محاولة تكوين صداقات جديدة.. تقول ليزا: "أتبع نهجاً عملياً للغاية وأسعى إلى التعرف إلى أشخاص طريقة تفكيرهم تشبه طريقة تفكيري من أجل تلبية احتياجات محددة"...!