إن اللعب على العقل البشري أصبح منهجاً ونحن لا ندرك كنهه، أو قل لا نعيره انتباهاً في علميتنا ومهنتنا لتشكيل قلاع حصينة لشبابنا الذي أصبح الاختراق الفكري أكبر هدف من اختراق الحدود

أحد يعلم مدى مصداقية هؤلاء، لكن الحقيقة التي يجب أن نفهمها أنهم سارعوا في سبقنا لما يسمى بـ (علم نفس التلقي)؛ وهو اللعب على كل المتلقين بنشر أفعالهم ورسائلهم، والتي هي في حقيقة الأمر أضعف بكثير من القوة المواجهة لهم، ولكن فيما اتبعوه، بأن لهم علماء نفس اختاروهم واتبعوا إرشاداتهم لكي يتم التأثير، هو ما تتبعه حروب الجيل الخامس باللعب على الذهنية بكل أوقات الصورة، وذلك لأننا في عالم أصبح تحكمه ثقافة الصورة أو قل التأثير بواسطتها!

ولم ينحصر الإرهاب على فئة بعينها، ولا في دواعش ولا في جماعات بعينها، وإنما أصبح لعلم النفس مداراته في إدارة الحروب لهدم النفس من الداخل وهو ما يمثل أعلى الانتصارات للإرهاب حتى من قبل عالم يبدي حسن النوايا!.

في عام 1997 كتبت مسرحية بعنوان "حينما تموت الثعالب" مستلهمة من أن الثعلب يتظاهر بالموت حتى نقذف به بعيداً وهنا تكمن الخديعة واللعب على دواخل النفس بالإقناع حتى تنهزم دون أن تعلم!

(فتى يدخل مكاناً مع حبيبته لشرب فنجان شاي فيتقدم له (الجرسون) بأن مشروبه المفضل هو القهوة مع البسكويت، بينما هذا الشاب لم يدخل هذا المكان من قبل ولا يحب القهوة مع البسكويت، ثم تتوالى عليه كل أساليب الإقناع، بأن الأمطار تنزل بغزارة، فالكل يدخل المكان مبتلاً ونحن في شهر يوليو الذي لا تسقط فيه الأمطار، ثم تحضر فتاة تدَّعي أنه والدها وأنه من دفنها وهي عروسة من القماش وتريد حقها في الحياة وقد صدمتها سيارة بالخارج والدماء تنزف من رأسها وتتوالى أساليب الإقناع حينما يوهمونه بأنه هو من دمر العالم، فالأمطار والطين الذي يغوص فيه هذا المكان بسبب خطاياه، فيقاوم هذا الفتى كل ذلك إلا أن جميع الشخصيات تموت من الاختناق ويتمددون على الأرض بدعوى أن الأكسجين قد نفد. حينها يقتل نفسه لأنه انتهى إلى ما قالوه بأنه هو سبب دمار العالم. يقومون من رقدتهم ثم يتناولونهم على طقس الفطيرة المقدسة)

هذا العمل يعج بكثير من الحوارات مفادها أن فنون الإعلام المدروس على الهزيمة النفسية أصبح أمراً محتوماً، ولذا ظهرت لنا حروب الجيل الخامس باللعب على عقل المتلقي بكل فنون الصورة، والقول، والفعل، فالهزيمة النفسية هي ذلك النصر المحقق لمن نجح في استخدام هذا المنهج.

لماذا أيها المسؤولون عن الإعلام لا تحاربون بنفس السلاح، لماذا لا يكون هناك محاضرات وندوات وتوعية بما يسمى بثقافة الصورة لكي يكون المتلقي على علم وعلى دراية بما يقدم له، لماذا لا يكون في كل قناة أياً كان تصنيفها خبراء وعلماء نفس يشرفون على ما يقدم من طعام العقول المسكينة التي تأخذ كل أمر بمصداقية ودون شك؟ لماذا لا يدخل علم نفس التلقي في دراساتنا لتشكيل الذهنية النقدية لأولادنا ولشبابنا، فهذا هو أكبر حائط صد لما يقدم على وسائل التواصل وفي قنوات التلفاز؟ لماذا لا نساير العالم في فنونه وفي علومه وحتى في حروبه الخفية؟ إنه أمر يستحق التساؤل!

يقول شيللر في كتابه "التلاعب بالعقول والذي نشر في دار بيكون عام 1975 في هذا:

"عند وقوع أزمة فعلية أو كاذبة أو مفتعلة ينشأ جو هستيري محموم بعيد تماماً عن المعقولية، يؤدي إلى الإحساس الزائف بالطابع الملح للأزمة المترتب على الإصرار على فورية المتابعة، كما يؤدي إلى النفخ في أهمية الموضوع، ومن ثم تكون الخطوة التالية هي إفراغه من أهميته ونتيجة لذلك تضعف قدرة الجمهور على التمييز بين درجات الأهمية، فالإعلان متلاحق السرعة عن تحطم طائرة وعن هجوم إرهابي وعن جريمة ما وعن إضراب وعن موجة الحر أو البرد يتحول العقل إلى غربال تصب فيه التصريحات والإعلانات، أقلها مهم وأكثرها لا أهمية له، وبدلاً من أن يساعد الإعلام في تركيز الإدراك وبلورة المعنى نجده يسفر عن الإقرار الضمني (اللا شعوري) بعدم القدرة على التعامل مع موجات الأحداث المتلاحقة التي تطرق بإلحاح على وعي الناس فيتعين عليه دفاعاً عن النفس أن يخفض درجة حساسيته واهتمامه، فتكنولوجيا الاتصال باستخداماتها الحالية تروج لتوجهات بلا تاريخ فيه توجهات مضادة للمعرفة".

إن اللعب على العقل البشري أصبح منهجاً ونحن لا ندرك كنهه، أو قل لا نعيره انتباهاً في علميتنا ومهنتنا لتشكيل قلاع حصينة لشبابنا الذي أصبح الاختراق الفكري أكبر هدف من اختراق الحدود، ومما لا شك فيه أننا ننفق كثيراً على تأمين حدودنا الجغرافية التي نفتديها بدمائنا، لكننا لا ننفق على تأمين حدود الذهنية وحدود العقل! وهذه من وجهة نظري دائرة لم تكتمل فتتشكل تلك الثغرة التي دائماً ما نتساءل: كيف نحارب الإرهاب؟.

إنه الوعي، وإنه تشكيل الوعي، فالوعي هو المستهدف، والسلاح هو الإعلام وما يقدم لنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي يقوم عليها أناس لا نعرفهم، ولا نعرف هويتهم، ولا من أين يبثون سمومهم في ثوب المعلومات البريئة والأخبار الشيقة المفبركة والدعوات في ثوب الزيف ضد الوطن وضد الحكام وضد كل ما هو يحوي تحت ستاره المزركش من مفهوم يكمن في ضمائرهم، هم دون سواهم!.

فهزيمة النفس هي المأرب والهدف، فإذا ما انهزم الواحد منا داخلياً سقطت قلعته، فلا تسقط القلعة لكثرة المحاصرين لها، وإنما تسقط إذا ما تساءل حماتها عن جدوى حمايتها!.

الإعلام العربي أصبح أداة للهدم دون أن يقصد ذلك ولا نتهم أحداً على الإطلاق، وإنما وجود علماء نفس يشرفون على ما يقدم وأثره على الجماهير غير متوفر، وقد كان ذلك متوفراً فيما سبق، ولذا كان الشارع منضبطاً، أما الآن فأصبح رأس المال يلعب دوراً كبيراً عن طريق عداد المشاهدة لجذب الإعلانات لتغطية النفقات وارتفاع أجور المذيعين وإيجار الفضاءات وما إلى ذلك بالإضافة إلى تحقيق الربح المنشود، فأصبح التسابق في البث بكل أنواعه وكيفما يكون! المهم تحقيق نسبة المشاهدة عبر عداد اخترع للمنافسة وللسبق المحموم، وعليه نجد هذا الكم من الآراء المتضاربة والمتناقضة وأحياناً غير صادفة، ومنها إلى وسائل التواصل، ثم إلى شارع شديد الاضطراب بهذه القنوات وتلك الوسائل. يقول شيللر في كتابه سالف الذكر: "تتم السيطرة على أجهزة المعلومات وفق قاعدة بسيطة من قواعد السوق، فامتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها شأنه شأن الملكية الأخرى متاح لمن يملكون رأس المال، والنتيجة الحتمية لذلك أن تصبح محطات الإذاعة وشبكات التلفزيون والصحف والمجلات وصناعة السينما ودور النشر مملوكة جميعها لمجموعة من المؤسسات المشتركة والتكتلات الإعلامية ويصبح الجهاز الإعلامي جاهزاً للاضطلاع بدور فعال وحاسم في عملية التضليل" وعلى كل ذلك ينتشر الإرهاب ودون مقاومة ذهنية!.