كان أول لقاء لي بشاعر الأغنية السعودية، ورائدها في حي العزيزية بمكة المكرمة أواسط الستينيات الميلادية من القرن الماضي في استراحة خاصة له، وكنتُ ضمن كتاب وشعراء وفنانين.

اللقاء كان بعد مباراة في كرة القدم كانت بين الوحدة والاتحاد، جرت على ملعب الصبان في جدة، وكانت النتيجة في صالح الاتحاد، وفي مقهى يقع بين مكة وجدة يسمي (مقهى الوحدة) حصلت مشادة بين بعض اللاعبين والإداريين من الوحدة مع بعض مشجعي الاتحاد كان سببها أخ لأحد لاعبي الوحدة يشجع الاتحاد -كما أعتقد- جاء للمقهى وعلى سيارته علم الاتحاد وشعاره فما كان من أحد المشجعين الكبار في السن من مشجعي الوحدة إلا أن توجه نحو السيارة ونزع العلم وكانت المشادة والعراك بالعصي والكراسي ولم يخمد تلك المناوشة إلا الشاعر إبراهيم خفاجي الذي ما إن توقفت سيارته عند المقهى وترجل منها وبصوته الجهوري (عيب استحوا.. هادي رياضة ما هي حارة؟) وقف وسط الجميع الذين توارى الكثير منهم وبقي من كان يريد أن تنتهي تلك المشادة.

بعد ذلك حملت الحافلة الخاصة بفريق الوحدة اللاعبين والإداريين وتوجهت إلى مكة المكرمة. وبقي الشاعر الخفاجي -رحمه الله- بين بعض الحاضرين مرحباً بالشاعر محمد طلعت عادل، وعلي الرابغي، ومحمد علي الإدريسي وكاتب السطور ومن اللاعبين بقي عبدالكريم المسفر (كريم) ولطفي لبان، وجرى الحديث عن الرياضة والشعر وأصر أن نكون ضيوفه على العشاء (رز بخاري على كيفك) في (العقار) كما يطلق على الاستراحة، فكان اللقاء ثرياً بين الحاضرين حول الأغنية والشعر، وهل نسمي شاعر الأغنية (شاعراً أم كاتباً غنائياً) كل أصر على موقفه مبرراً وجهة نظره.

كان يحترم الشاعر محمد طلعت، ويقدر الشاعر محمد علي الإدريسي، ويشجع الكاتب علي الرابغي كناقد فني (ابن عتيق) ويرعى الناشئة كحالتي في تلك الفترة، وبعض الأسماء الذين كانوا يكتبون عن الفن والفنانين في جريدة المدينة في (فنون) بإشراف الراحل بدر كريم (مايك)، وبعدها كانت ندوة في مكتب بدر في مبنى الإذاعة طريق المطار القديم شاركت فيها مع (غازي علي، والخفاجي، والرابغي، وطلعت، وصالح جلال، ومحمد عبده، وخالد زارع، عن الفن الغنائي) أذيعت على حلقتين.

الخفاجي، ومحمد الفهد العيسى، ومحمد طلعت، وصالح جلال، وعبدالرحمن حجازي، اشتهروا بالشعر الغنائي، وعبدالله الفيصل، وطاهر زمخشري، وأحمد قنديل، ويحيى توفيق شعراء بالفصحى كتبوا بعض الأغاني بالعامية، وللجميع الفضل في تطور الأغنية السعودية، واستمر الشاعر الخفاجي يرعى الفنانين ويمدهم بالأغاني الرائعة منهم طلال مداح، محمد عبده، عبدالله محمد، ويساندهم ويعمل في سبيل تطورهم وكان يكن للفنان عبدالله محمد كل الود والمحبة حتى إنه كان كالوالد له يوجهه ويحفظ له حقوقه التي يحصل عليها من الحفلات التي كان يقيمها في الداخل، وفي لبنان، وقد ابتاع له سيارة وخصص له سائقاً -طبعاً يدفع المصاريف من حقوق الفنان-.

توالت القاءات بالشاعر القدير الذي تشرف بكتابة كلمات السلام الملكي (سارعي للمجد والعلياء) وكُرِّم بأعلى وسام (وسام الملك عبدالعزيز)، واستمر على نهجه طوال حياته يساند ويساعد ويشجع ويحب الفن والفنانين لكونه يحمل قلب فنان أصيل وروح مبدع حق، وقد أصدر عنه هاني ماجد الفيروزي كتاباً لا تنقصه الشمولية. ولكن بعد رحيله يتوجب على من عاصروه وعاشروه أن يعطوه ما يستحق في إكمال ما بدأه الفيروزي، وأن يقولوا عنه ما يعرفون.

رحم الله الخفاجي.. والعزاء للجميع.