تكمن الأحلام في صميم حضارة السكان الأصليين لأستراليا، حيث وبمجرد ولادة الطفل يـنظر إليه بصفته السادن لأحلام القبيلة، والتي يبدأ الكبار بتقصيها ونبشها داخله، ومن المدهش أن نعرف أن تلك الأحلام ما هي في عرفهم إلا روح الأرض نفسها وموروثات القبيلة وتقاليدها وقوانينها تتمثل له في صيغة أحلام تراوده في منامه وصحوه وتصوغ بشكل غير مباشر وعيه بالعالم، يغرس في وعي الطفل أن حلمه هو الأرض بكل معالمها المقدسة وقصصها الحاملة لروحها وتوجهاتها وبالتالي يتبرمج سلوكه ليكون أداة لخدمة تلك الأرض وتلك القوانين، بحيث لا تعود مفروضة أو دخيلة عليه وإنما نابعة منه كجزء من تحقيقه لذاته، يصير صوته هو صوت تلك الأرض وأعرافها وسعيه هو سعيها، يصير أشبه بترس في أسطورة جبارة لأن تلك الأسطورة تأتي من زمن خارج الزمن ومن مكان خارج قدرات كل الأمكنة، تأتي من زمن قبل بدء تحجيم الإنسان في جسد قابل للعطب وللتعب وللسقوط، في زمن يتعارفون بينهم على تسميته "زمن كل الأحيان" أو "everywhen" وهو الزمن الذي يملك قدرات الأبدية ويمنح الموجودات أجساد أبطال قادرة على الخوارق، عمالقة عمروا تلك القارة في زمن خارج الزمن وتركوا من آثارهم فيها ما يشكل القدوة لمن سيأتي خلفهم من معمرين مؤطرين ضمن نطاق الزمن المعقول، لأن أبطال أسطورة السكان الأصليين هم خارج نطاق المعقول ولا يحدهم منطق ولا عجز، ويبدأ بثهم لتلك البطولات والملاحم لما يقارب الـ 65 ألف عام مما يفوق تاريخ أي حضارة على سطح الأرض.

أي الأحلام بالنسبة لسكان أستراليا الأصليين ليست مجرد تهويمات وأضغاث أخيلة وإنما هي اتصال وتواصل مع الروح، هي أشبه بصلاة لتجميع قدرات الفرد وشحذها بطاقة الأجداد الخوارق، ولتلخيص تلك الأحلام أو صلات الوصل مع الخوارق فإن القبائل من سكان أستراليا الأصليين يرمزون لخوارق تلك الأحلام برموز تمتلكها كل قبيلة في هيئة طوطم تنتمي له وتدخل تحت شعاره، مثل طوطم أحلام سمكة القرش أو أو أحلام الكنغر أو أحلام الغرير أو نملة العسل وهكذا.

وبالتأمل في مفهوم الأحلام لدى أولئك السكان الأصليين نجد أنها تدخل في صلب عملية الإبداع أو الخلق لديهم، ولكأن كل ما يتجسد في الواقع ما هو إلا نبت من بذرة الأحلام أو تحقق لها، بل إن كل معرفة ما هي إلا قطرة مستقاة من موسوعة أو نهر الأحلام، حيث يعتقدون أن الحلم يبدأ قبل وجود الإنسان ويستمر بالوجود بعد وفاته، وإن الحلم هو الأصل وما الجنين إلا ركوبة أو آلة يتم بوساطتها تجسد الأحلام، وتشعر به الحامل في الحركة الأولى الخافتة برحمها، حين يـنْفَخ الحلم في الجنين في الشهر الخامس من تخلقه في رحم الأم، وبالتالي فإن حمل المرأة ما هو إلا حمل بأحلام القبيلة وأن ولادة الطفل ما هي ولادة جديدة لتلك الأحلام وإعادة تخليقها وإخراجها في صور مبدعة تضيف لمكتسبات قومه، هذه المكتسبات التي لا تموت بموته وإنما يتمثلها قومه وينقلونها لما ومن سيُولد من أحلام. ومن هنا يجيء تفسيرهم لفعل يحلم بأنه ما هو إلا مثول في حضرة عُليا تصل الإنسان بالمعجز فيه وبالمتفوق.

وبذلك يصير الوليد بمثابة السادن لتلك المعجزات أو الأحلام والتي يتم التعبير عنها فنياً من خلال الأغاني والرقصات الشعبية أو الرسوم أو الحكايا التي يسافر بها الرواة وذلك للإبقاء على الحلم حياً فاعلاً مغيراً لحياة البشر ومجدداً لحيوياتهم، بل وتستخدم الأحلام كوسيلة اختراق يتم بها طي الزمن والمسافات، إذ يقوم السادن للحكمة أو المداوي الشعبي في القبيلة بالسفر في الأحلام، أي ينسرب في أحلام الأفراد ويقودها لاكتشاف مجاهل النفس محرراً طاقاتها المكبوتة ويحرر بذلك مجاهل المكان واحتمالات تلك القارة وأبطالها العمالقة الذين لا يكفون يرحلون في الأحلام ويتمثلون في الشجر والنجوم والصخور ومغاور الماء والتي تعمل بصمت على حراسة البشرية وتطويع المستعصي لهم وتمكينهم من طي الأزمان.