بعض الدول التي تدعي الإنسانية، واحترام ورعاية حقوق الإنسان، هي ذاتها من يمارس في كثير من الأحيان أعمالا ً غير إنسانية وغير أخلاقية، وأنا هنا لن أتحدث عن ممارساتها العدوانية على الشعوب المستضعفة، أو البسيطة أو الطيبة وظلمها وتكبيدها الخسائر الاقتصادية، والجسدية، والنفسية ولكن سوف أتحدث عن موضوع بعيد كل البعد عن تلك الممارسات سأتحدث عن موضوع مختلف هو موضوع معرفي أخلاقي أبعد ما يكون عن السياسة وشقائها ..

موضوع في غاية الغرابة والإبهام، والتسلط ، والغشامة ، بكل معانيها وأشكالها ... وهو موضوع طالب مبتعث إلى إحدى الدول الكبرى ... حيث أمضى في تلك الدولة أكثر من أربع سنوات في دراسته، ويوشك على التخرج للحصول على درجة الماجستير..! عاد المبتعث إلى وطنه في اجازاته السنوية مع أولاده، ثم غادر عائداً إلى جهة الدراسة ولكنه في مطار إحدى الدول الأوروبية أُوقف ومُنع من السفر ومواصلة رحلته إلى تلك البلاد..!! وقالوا له بكل بساطة واستخفاف: أنت ممنوع من السفر، ويمكن لزوجتك أن تسافر..!! وحاول أن يعرف الأسباب، التي منعته من السفر، فلم يجد جوابا ً، حاول، وحاول، واتصل بسفارة بلاده هناك ولكن لا فائدة ... اعتقد أن مثل هذه الممارسة هي نوع من أنواع الإرهاب النفسي الإنساني فرجل يواصل دراسته هناك ، ولم يكن عليه أي ملاحظة أو حظر، وقد أخذ تأشيرة سفر وعودة ولم يتبق على تخرجه إلا أشهر قليلة، ولم يلتفت إليه ولا إلى استشفاعاته، ولم يتبين له السبب القانوني في منعه، وإنما قيل له أنت ممنوع من الدخول الى تلك الدولة ولا تناقش ولا تجادل واخرس، وارجع من حيث أتيت ..

أتصور أنه ليس هناك أبشع ولا أنذل من هذا الجرم الأخلاقي والإنساني من ممارسة تلك الدولة التي تدعي الحرية، والديموقراطية، وحقوق الإنسان، وهل هناك أعظم من حق إنسان ظُلم وحُرم من دراسته العليا من دون أي مبرر أو أي سبب أو تهمة واضحة..؟!

أذكر أنني قرأت حكاية عن امرأة غربية منعت سلطات المطار في بلد شرقي السماح لدخول كلبها، لأنه لا يحمل شهادة طبية تثبت أنه سليم من الأمراض الخطرة والأوبئة المعدية…فصاحت المرأة وملأت المطار عويلا ً وضجيجا ً واتصلت فورا ً بسفارتها في ذلك البلد فلم تمض ِ ساعة إلا وقد جاء الإذن بدخول الكلب الموقر، مرفوع الرأس والذيل، وذلك احتراماً لمشاعر ورحمة بقلب تلك المرأة الغربية ..!!

هكذا ومن منطلق إنساني يسمح لكلب أن يدخل بلداً بدون شهادة طبية لأنه كلب إنسان غربي عريق..! بينما يحرم إنسان شرقي من نيل شهادته التي أمضى في تحصيلها عمراً من زمنه وماله أيضاً من معيار ومنظور أن كرامة هذا الإنسان الشرقي أقل كرامة من ذلك الكلب الذي دخل تلك البلاد مرفوع الرأس والذيل..!!