إن المتصوفة قد اتخذوا من الإسلام منطلقًا لأفكارهم وآرائهم إلا أنهم تأثروا ببعض المذاهب والفلسفات فالمتصوفة لا يعبأون بالمصدر الذي يستقى منه ما دام أن هذا المصدر يعبر عن ذواتهم فكرًا وسلوكًا..

هذه المراجعة الفكرية تتناول دور الغرب في التحكم في آلية التوجيه الديني والعقائدي وتوظيف مراكزه العلمية والبحثية في الوقوف على واقع حركة الدين في العالم الإسلامي وعرض مخرجات ونتائج وتوصيات تلك الدراسات على طبقة المشرعين وصناع القرار في الغرب وقد كان هذا الدور الفكري تقوم به في السابق مراكز الاستشراق العالمي والآن تحول إلى مؤسسات الاستشراف ومراكز البحث العلمي

في أمريكا منذ نهاية عام 2001م ظهر تيار يميني يدعو إلى إعادة النظر في حركة الفكر الديني وفي نفس الوقت مواجهة ما يعرف بالإسلام السياسي وبعض الحركات الدينية والبحث عن بديل إسلامي كشريك استراتيجي يطوع مبادئ الدين لقيم ومصالح الغرب وكان هذا البديل هو الفكر الصوفي والذي يراه الغرب ملائمًا لظروف العصر وأحواله.

وهذا يجعلنا أمام حقيقة مدهشة وهي أن ثقافة وتقدم الغرب لا تقوم على أمور علمية بل إن معظم نواحي هذه الثقافة والتقدم تقوم على أذواق وأهواء لا صلة لها بالعلم.

فالمعطى البارز الذي يمكن ملاحظته تحرك فكري تقوم عليه مؤسسات علمية وشخصيات سياسية ومراكز دراسات تستهدف إحداث تغيير جذري في حركة الدين تقوم على إضفاء المشروعية على الطرق الصوفية وبعث الحياة فيها من جديد في مسعى لعولمتها.

ففي عام 2004م عقد مركز نكسون للدراسات مؤتمرًا حول فهم الصوفية ودورها المحتمل في السياسة في الولايات المتحدة.

وفي نفس العام نشرت مؤسسة راند تقريرًا عن واقع العالم الإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تناول الكيفية التي يجب على الولايات المتحدة التعامل بها مع بعض الحركات الإسلامية.

وفي 2005 نشرت راند تقريرًا يوصي بعقد مؤتمر دولي يتبنى فكرة تأسيس مؤسسة عالمية ترصد ما يعرف بظاهرة التطرف لدى بعض الحركات الإسلامية.

وفي عام 2007 تنادى المشرعون في راند بتبني المذاهب الفلسفية والكلامية وبالذات الصوفية.

كما قامت مؤسسة كارنجي للأبحاث في عام 2007م بتقديم دراسة عن وضع الصوفية في آسيا الصغرى.

ولعل تلك الدراسات تمثل مفاتيح للاسترشاد بها للوقوف على فكرة إحياء الصوفية فقد قامت الولايات المتحدة عن طريق دوائرها الدبلوماسية والمنتشرة في العالم الإسلامي إلى فتح قنوات اتصال مع الطرق الصوفية وتسابقت مختلف التوجهات الفكرية والماكينات الإعلامية في الغرب لتسويق الفكرة ونشرها في بعض مجتمعات العالم الإسلامي.

كما قامت بعض دور النشر في بعض دول العالم الإسلامي بإصدار طبعات تضامنية تهيئ للمشروع الجديد ولم تقف تلك المبادرات عند دور النشر بل امتدت إلى المؤتمرات والندوات والملتقيات العلمية.

ففي ماليزيا عقدت جمعية صوفا ندوة عالمية شارك فيها جمع من الأشاعرة والصوفية أعقبها مؤتمر الصوفية منهج أصيل للإصلاح شارك فيه نحو ثلاثمائة داعية صوفي ثم مؤتمر الشيشان الذي وضع مفهومًا ومصطلحًا جديدًا لمفهوم أهل السنة والجماعة وقصره على الأشاعرة والماتردية والصوفية.

وإذا سلمنا بتقارير تلك المؤسسات البحثية وما تبعها من نتائج وتوصيات فإن التصور لفكرة تبني الصوفية عند مؤسسات البحث العلمي والدراسات الاستراتيجية بدأ يصير حقيقيًا على ضوء تلك المعطيات والتي كانت موجهة نحو غرض واحد وهو توطين الصوفية في المجتمعات الإسلامية.

ومهما حاولنا أن نحدد الحالة الصوفية المتداولة اليوم ما بين التصوف الشرعي أو ما يزيد عليه إلا أن الصوفية في بعض طرقها تجاوزت حد التصوف الشرعي وقد دخلت عليها بعض الزوائد التاريخية سواء أكانت فلسفية أو عقائدية.

وإذا كان الإسلام دعا إلى الزهد والورع ومقاومة كل ضروب الإغراء إلا أن التصوف لم يقف عند هذا الحد بل دخل أبوابًا أخرى تفضي إلى المنامات والكشف والمشاهدة والحلول والاتحاد والجذب والشطح والرقص والسقوط في دوائر العدم وإسقاط التكاليف والتي انحدرت من مصادر هندوسية وجينية وبوذية وأفلاطونية وزرادشتية ومسيحية وفارسية ويونانية.

أما مفهوم التصوف ومضمونه من الزهد والبعد عن متاع الدنيا وتقديم الآخرة على الأولى كل هذه كانت موجودة في الإسلام ودعا إليها من ضمن ما دعا إليه من الشرائع المتوازنة والشاملة.

أما التصوف بالمعاني التي هي زائدة عن هذه الأمور والتي تمثل نظرية خاصة في السلوك والعبادة فهذه لم تعرف إلا بعد القرن الثالث الهجري حيث تولدت عن هذه الأفكار والنظريات والأبحاث والآراء أشياء لم تكن موجودة وأخذت هذه النظريات تنمو وتتزايد كلما تقدم الزمن واتصل بعضهم بالفلسفة وتأثروا بالفكر الفلسفي وتحول التصوف إلى علم له قواعد وأصول وتفرعت عنه تلك الطرائق التي لا تمت إلى الإسلام بصلة.

ورغم أن المتصوفة قد اتخذوا من الإسلام منطلقًا لأفكارهم وآرائهم إلا أنهم تأثروا ببعض المذاهب والفلسفات فالمتصوفة لا يعبأون بالمصدر الذي يستقى منه ما دام أن هذا المصدر يعبر عن ذواتهم فكرًا وسلوكًا وعاطفة فقد يستعيرون من فروع ثقافتهم وقد يستعيرون من ثقافات أخرى يرون أنها تساعدهم على بلوغ حالتهم الروحية والتي لا تعدو أن تكون تكهنات تأثروا فيها بفلسفات أو تجارب شخصية ذاتية لاحظوها في أنفسهم وقاموا بها بتلك الطريقة النفسية الانطوائية والتي لا تخضع إلا لانحراف المزاج أسقطتهم في الحلول والاتحاد ووحدة الوجود.