شاع الفساد في المجتمع الأميركي في عصر الكاتب "مارك توين"، فلم يجد الكاتب الذي كان يتمتع بحس فكاهي بالغ الدلالة، إلا أن يلجأ إلى قلمه، فكتب برقية مختصرة تضمنت سطراً واحداً:" اهرب فقد افتضح الأمر! وأرسل هذه البرقية إلى عينة من رجال المال والأعمال البارزين في المجتمع الأميركي، دون أن تكون عنده أدنى فكرة عن أشخاص معينين، تحوم حولهم شبهات بالتربح أو سرقة المال العام، لكنه اختار من رأى أنهم يشكلون عصباً قوياً في دنيا المال والأعمال والسياسة، ولدهشته البالغة لاحظ بعد أيام أن العديد ممن وجه لهم نسخة من برقياته إما أنهم اختفوا، وإما إنهم توقفوا عن الظهور، وإما إنهم صاروا يدلون بأحاديث، أو يعقدون مؤتمرات صحفية، يتحدثون من خلالها عن ما قدموه لمجتمعهم من خدمات! وقد كتبت منذ سنوات عن هذه البرقية متمنياً أن أحذو حذو هذا الكاتب الخفيف الظل، لكنني لم أجد إلا تجربة واحدة،

أرجو أن تكون خفيفة الظل، وهي لاتدل إلا على شيء واحد، الفساد موجود حتى في أوقات شح المال وبساطة الوسائل. بدأت هذه التجربة عندما كنت مراهقاً، فقد دخلت لأحد الإدارات المهتمة بخدمة الناس، ووجدت الموظف الذي كنت أبحث عنه، وكان أبيض، يفيض صحة وحيوية، وفي ملامحه أبوة لا تدري هل هي حانية أم محايدة، خاصة وهو يوجه الجالسين والواقفين حوله من أصحاب الحاجات، وقد سمعته وأنا أصف مع الصافين، وهو يقول لأحد المراجعين :"روح يا واد، جيب لي بكت دخان بحاري، قوام، قبل ما أخلص المعاملة حقتك! "وقد قام ذلك المواطن راكضاً وهو يتشقق من الفرح، ولم تمض دقائق إلا وقد عاد ومعه كرز بحاري، أخذها الموظف وناوله المعاملة، وبعد ذلك كرت الطلبات الصغيرة، وقد خشيت أن يطلب مني شيئاً، فأنا في ذلك الظرف، لم يكن في جيبي إلا ثمن "ربع وثمن" لحم غنم، أوصتني الوالدة بإحضاره من خان الجزارة !والشيء الذي استغربته أن الرجل كان يملي طلباته على المراجعين باطمئنان كامل، ويجد من يلبي طلباته بفرح وامتنان، وكأنه لم يصدق أن الموظف سوف ينهي اجراءات معاملته، لو رفض تلبية طلباته الصغيرة، وقد سمعت بعد ذلك أن الرجل لا يخرج من عمله إلا ومعه قفة عامرة بالسجائر والخضار واللحم والحلويات، لم يكن الرجل خائفاً أو متوجساً من عيون ترقب تصرفاته أو طلبه الرشوة علناً، وبإسلوب أبوي، الأمر الذي يجعل كل ما يطلبه، وكأنه طلب والد من أبنائه! وكلما كبرت في العمر والتجربة، أجد أن هذه الآفة لها ألف اسم، وألف طريقة، فهي"البرطلة والحلوان والبلصة"، لكن أخف أسمائها "الحلاوة"، وهي غالباً تأتي عندما يتعهد أحدهم بتقديم خدمة مستحقة لك، لكنه مع ذلك لا يقدمها لك إلا بعد أن تتعهد بتقديم الحلاوة، وأرجو أن لا يعاقبني الله فقد نكصت بتعهدي لواحد من هذه الفئة، عندما أخذت منه ما أريد دون أن أقدم له ما طلب، دون أن التفت لصوته وهو يناديني :"فين الحلاوة ياواد !".. هناك فرق بين لصوصي ولصوص مارك توين. أليس كذلك؟.