تزوج "زيد" بالأمس وتوفي اليوم، فسبب وفاته هو الزواج! لا تسخر من هذا الاستنتاج غير المنطقي فهو ما نكرر فعله كثيراً دون أن نشعر، وفي بعض الحالات بشكل متعمد، عندما يؤثر اتباع الهوى علينا، ونزعم أن حدوث شيء ما سببه حدثٌ سابق، فقط لأنه صدف حدوثه قبله!

إحدى أشهر المغالطات المنطقية هي مغالطة: "حدث بعده، إذاً هو سببه"، هكذا ببساطة يتم ربط أحداث غير مترابطة ببعضها، وجعلها سبباً لحدوثها لأنها حدثت متعاقبة، مثل من يزرع شجرة وهو طفل، ويجد أنه كلما تقدم في العمر ازداد طول الشجرة، فيستنتج أن هناك علاقة بين تقدم عمره وارتفاع الشجرة! بينما الحقيقة أنه لا توجد هناك علاقة سببية أو حتى علاقة تأثير بين الأمرين، أو من يتعاطى مضاداً حيوياً بينما هو مصاب بعدوى فيروسية، فيستنج أنه تعافى بسبب تناوله المضاد الحيوي، رغم أنه لا يؤثر على الفيروسات وليس له أي علاقة بالتعافي من المرض!

هذه المغالطة التي يطلق عليها أيضاً: "السبب الزائف" أو "الارتباط بالصدفة" تُستخدم كثيراً في التحليلات السياسية، وذلك لمحاولة التأثير على الجمهور، عبر ربط الأحداث المنتقاة بأخرى سابقة، بينما واقع حدوث الأحداث اللاحقة غالباً ما يعتمد على أسباب وتأثيرات أخرى ليس لها علاقة بالأحداث الزمنية المرافقة، لكن الهدف هنا هو استغلال أي حدث لتحقيق مكاسب وحشد الرأي العام، ناهيك أن التفسير بهذه الطريقة هو البضاعة الرائجة للعرافين والمنجمين ومحللي السياسة والرياضة والاقتصاد، عبر تفسير كل شيء يحدث الآن بناء على ما حدث سابقاً، مثلما كان يفعل مؤرخو الإغريق دوماً في تفسير الكوارث الطبيعة أنها نتاج أفعال وذنوب البشر.

إن محاولة ربط الحدث بما سبقه يكاد يكون تحليلاً سطحياً ومريحاً لما يحدث، وبالتأكيد إن هذا الربط يؤدي إلى استنتاج غير صحيح، وبالتالي اتخاذ قرار أو حكم خاطئ في النهاية، ذلك ربما أن هناك حادثة ثالثة سببت الحادثتين، أو أن -وهو الغالب- سبب حدوث الحادثتين بشكل متتال مجرد صدفة، وقد يعود سبب شيوع هذه التفسيرات إلى ميل عقولنا نحو الخلط بين المعيّة والسببية، لأن إثبات وجود علاقة سببة بين حدثين يستلزم ما هو أكثر من مجرد الارتباط الزماني، لابد من وجود إطراد دائم، وارتباط بين نمطي الحدثين، سواء إيجاباً أو سلباً، وضرورة عدم وجود أمثلة مضادة كذلك.

نعم من الممكن أن يكون حدوث أمر ما سبباً لحدوث آخر، ولكن لابد من فهم وإدراك الأسباب ومستوى الارتباط والتأثير قبل الحكم، وليس فقط الاعتماد على أسبقية الحدوث، ثم الحكم أنه لمجرد حدوثه بعده فهو سبب حدوثه!