لم أستمتع ببرنامج ثقافي أدبي منذ دهر، وحتى لا أبالغ منذ سنوات ومشهدنا الثقافي إعلامياً متعثر في أسماء متكررة، وأنماط لم تتجدد، إلى أن وقعت بالصدفة على برنامج اسمه "الورّاق" لغسان علي عثمان...

لعلّها المفاجأة لأن البرنامج سوداني عكس الذي ألفناه ولأن المقدم شاب غير مستهلك إعلامياً عكس نجوم البرامج الثقافية المعروفين، ولعلّه الاختلاف في طريقة الحوار والتعاطي مع الضيف، وطرح المادة المثيرة للأسئلة بحنكة بعيداً عن طريقة عرض العضلات التي يعتمدها غالبية المقدمين. ولعلّها نبرة صوته وثراء لغته التي تذكرنا بأصوات جميلة كانت تصلنا عبر أثير إذاعة الهيئة البريطانية "بي بي سي" أيام الزمن الجميل...

إنها الدهشة كاملة، بدأت الموسيقى البديعة بسحبي شيئاً فشيئاً إلى المباني الترابية اللون في السودان، تلتها سمرة الشاب المتمكن من مادته ومن طريقة تقديمها، شاب واثق، بحضور طاغ وجاذبية غريبة نابعة ربما من بساطته دون تكلف أو تصنع، شاب لم تبهره الكاميرا، ولم تغوِه الأضواء، فقد بدا جلياً أنّه نسيها تماماً، فانغمس في الحديث مع ضيفه، مانحاً له اهتماماً خاصاً، وللرواية كل التركيز اللازم مستخرجاً مكنوناتها.

أقرأ تفاصيل طريقته في تقديم برنامجه بدقة وأتابع مادته من أولها إلى آخرها حول رواية دفاتر القبطي الأخير للكاتب جمال محمد إبراهيم، ثم أقفز من حلقة إلى حلقة لأتابع أجزاء من عدة حلقات متنوعة الموضوعات.

ثم أدير محرِّك غوغل حول إسمه، لأصاب بالدهشة الحقيقية، وبالصدمة التي تكشف مرة أخرى عن مدى المسافات الفاصلة بيننا كمثقفي الشأن الثقافي العربي، فالرجل كاتب لديه عدد من المؤلفات، ومحاضر، وهيكله كشخصية أدبية في المشهد السوداني شاهق القامة.

ولو أنني سمعت الحوار الذي دار بينه وبين الروائي جمال محمد إبراهيم عبر الراديو مثلاً لمنحته من العمر ما يفوق الستين عاماً بالتأكيد، ذلك أن ثقافته واسعة سعة من دعكته الحياة والكتب معاً، فقد كان الكلام ينساب من ذاكرته وكأنّه مطر غزير. لا فواصل صمت، ولا فراغات مفاجئة بحثاً عن الكلمة المناسبة، ولا ثرثرة دون معنى، فقط مطر جميل بوصلات إبداعية ثرية وكأنه في رقصة تانغو منسجمة مع ضيفه.

"قبطان الورّاق" كما رأيته وأحببت أن أسميه، محاور على دراية، يدخل حلبة الحديث بعدة استثنائية، لهذا أثبت أن الحوار التلفزيوني فن لا يتقنه أياً كان، وقد كسر كل القوالب المعهودة، نموذج جديد، يعتمد على ثروته الفكرية، بدون ربطة عنق، وبدلة أنيقة، بدون أكسسوارات "مادية و معنوية" تستلزمها الوظيفة التلفزيونية، طاولة حوار تتوسط رفوف كتب، لا مزهرية في الزاوية ولا شمعدان. موسيقى باذخة في الجمال تظلل المشهد كله بلمسة زائدة من السحر، والسلام ختام.

هذا مختصر لبرنامج الوراق على قناة سودانية 24، وهذا قليل جداً مما يجب أن يقال عن مبدع مثل غسان علي عثمان، وعن جوهرة اسمها السودان لا تزال الكثبان العربية تغطيها رغم عطاءاتها القيمة المستمرة والتي لا تقدر بثمن.