لفت نظري في الصحف العالمية مؤخراً مثل صحيفة التايمز هذا الخبر، "فنان فرنسي يستخدم 600 لتراً من الطلاء المصنوع من الأصباغ الطبيعية والمياه وبروتين الحليب، وذلك لابتكار عمل فني مثير للدهشة بعنوان قصة المستقبل، العمل يمثل فتاة تقرأ كتاباً على واجهة أحد التلال في Les Rochers-de-Naye، ويمتد ليغطي مسافة عشرة آلاف متراً مربعاً. وذلك في 11 سبتمبر 2017، احتفالاً بالذكرى الـ 125 لإنشاء سكة الحديد هناك."

خبر يسلط الأضواء على هذا الفنان الفرنسي المقيم بسويسرا المدعو سايب Saype من مواليد عام 1989والذي لم يتجاوز الثامنة والعشرين من العمر، لكن هذا الاختراق العالمي لم يجىء من فراغ حيث بدأ كفنان عصامي علم نفسه الرسم واحترفه كفنان جرافيتي رسوم الشوارع منذ كان في الرابعة عشرة من العمر. ولقد تنقل من رسوم الشوارع للرسم على السطوح الشفافة مثل البليكسي جلاس للرسم على الأرض في الطبيعة منذ عام 2013، إذ صارت الجبال والسهول هي الكانفاس الذي يسقط عليه أخيلته ومواضيعه الفلسفية التي تتكلم عن الوجودية ومأزق الحياة على الأرض والمعضلات الفلسفية والوجودية التي تواجه البشر في وجودهم الأرضي وصراعهم للتواصل مع الأعماق ومواجهة التساؤلات الروحية والمآزق الاجتماعية، أعماله هي مجموعة تساؤلات لذاته وللآخر، إذ تحفز المتلقي بدوره لترجيع تلك الطروحات وللتملي وتمحيص أسئلته الخاصة، مما يفتح آفاق الفنان والمتلقي للاشتراك في رؤيا خاصة للعالم ونابعة من الزاوية الفريدة التي يرصد منها سايب العالم، زاوية تغير رؤية المتلقي للطبيعة إذ تتماهى الطبيعة مع مواضيع ولمحات لوحاته فتتحول لطبيعة أخرى، طبيعة لم تخطر من قبل على بال.

فلسفة عميقة رغم حداثة عمر الفنان سايب يبثها بجرأة وعفوية في لوحات عملاقة تمتد لتغطي واجهات الجبال كما حدث مؤخراً موظفاً الحشائش والتراب الأحجار والأشجار كأصبغة هي الألوان التي يرسم بها.

وتتعمق الفلسفة التي تحملها لوحات الفنان سايب في مبدأ التحول والزوال الذي تخضع له تلك اللوحات وتحت بصر المتلقي، إذ أمضى الفنان سنة كاملة في البحث حتى توصل لوصفة لمواد للوحاته 100٪‏ قابلة للتحول دون خطر على البيئة، نقف مبهورين أمام تلك الفلسفة ونحن نشهد تلك اللوحات العملاقة مكشوفة وعارية مثلها مثل الإنسان وذلك للعوامل الطبيعية من مطر وعواصف وتكتلات الثلوج وذوبانها وعبور قطعان الماشية ونمو النباتات وزوالها. إنها لوحات هشة على عملقتها، مفتوحة لعوامل التعرية التي تذروها أو تحرق حشائشها أو تجرفها بأمطارها وسيولها، أنها لًوحات في تحولات مستمرة والطبيعة بعواملها المختلفة هي الفنان الذي لايكف يُحدِث سلسلة تلك التغيرات، فالأخضر يتحول للأصفر بلهب الشمس ثم يذوي وجفاف الظهيرة يتندى مع قطر الفجر والكثافة تتحول لعراء مع تبدل الفصول، إنها إضافات معجزة لانكف حتى تمحي اللوحة كما يمحي كل حي، أنها الملخص للحياة على الأرض الآيلة للتبدل حتى تنتهي للزوال.

وليس للفنان من طموح ليرى أعماله تخلد في المتاحف، لأن تلك اللوحات ماهي إلا كائنات حية لانبض لها إلا خارج جدران وحبس المتاحف.

وأختم بترجمة هذه المقتبسات من تعبيره في موقعه على الانترنت عن فلسفته، والتي تجيء بنثر موسيقي منعش يقول عن ثلاثيته،

"1- كل صباحات العالم بلارجعة: أجوبُ الطرقات، يركض الناس حولي، لا أحد يتبادل الكلام مع الآخر، لا أحد يتبادل النظر مع الآخر. لمرة سأخذ الوقت لأحيا، لأرصد.. أخذ الوقت... هل يعرف هؤلاء الناس حقاً إلي أين يمضون؟ ولماذا يذهبون؟

2- هناك العديد من المؤلفين الذين لايملكونه: المشهد الحضري يمرق عابراً، نحن نخرج من الأرض. النور، أخيراً. أفرك الضباب من كمي. فجأة، الوهج الرقيق للفحر ينبعث.

3- نور، نور أكثر، مرة أخرى: هل الفن هو البوابة الوحيدة للحرية؟ احتاج فصاءً، وقتاً، نوراً. بما يتجاوز الطبيعة والحضارة.."