ثمّة تحدًّ حقيقي تفرضه منصّات التواصل الاجتماعي المختلفة خصوصاً "تويتر" على المثقف والمبدع في آنٍ واحد، يتمثّل في قدرته على القبض على جمرة الإبداع متوهّجة في تضاعيف حروفه، لتظهر محتفظة بدهشتها وبلاغتها وعمقها في غير ثرثرة مجانية تُضعِف المعنى إن لم تفسده.

هذا التحدّي يعيد موضعة العلاقة بين أقانيم تلك العملية التي تربط بين المبدع والنّص الإبداعي والمتلقّي.

وتأتي أهمية هذا الاختزال للنصوص بشكل شذري تجزيئي في ظل ما يواجه المثقف والمبدع والمتلقي من تأزُّم سيما في عصرنا هذا الذي يعتبر "عصر الانزياحات" بامتياز، حيث ينزاح المبدع والمثقف قسراً عن إبداعه تحت وطأة مثبطات عديدة تنأى به عن إبداعه وتجعله يدور في رحى الحياة اليومية واستحقاقاتها من ركض خلف الهموم اليومية بدءاً من الرغيف انتهاءً بالأمان الحياتي والإنساني.

هل يعني هذا أن تلك المنصّات الجاثمة في فضاءاتنا فرضت إيقاعها واشتراطاتها الثقافية من اختزال وتكثيف وسواه؟

يبدو لي الإجابة بنعم، إذ لا يتيح هذا التزاحم الحياتي لقراءة المطوّلات التي كان الزمن الرغيد يتيحها ويجعلنا نتلذّذ بالانغمار فيها بكل حماس وتوقّد ذهن، ولعل الروائي الأميركي وليم فوكنر كان محقّاً ومتوقّعاً لهذا المآل لنصوصنا المطوّلة حين قال عن بعض الروائيين: يكتبون كلاماً كثيراً لكنهم لا يقولون شيئاً.

أعود إلى الكتابة الشذرية أو ما يسمّى بـ"التوقيعات"، والذي لا يُعدّ جديداً، فقد سبق إليه العرب المعروفون ببلاغتهم وفصاحتهم وبراعتهم في الدّل والاختزال والتكثيف، فقد منحوا هذا الفن الكتابي العبارات الحِكْميّة المقتضبة والخطرات الفلسفية الوجيزة.

وقد شهد الأدب والفن الإبداعي اهتماماً في عصور مختلفة حتى عصرنا الحديث، منهم الكاتب العدمي إميل سيوران والفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه وشعراء وفلاسفة منهم باسكال ورينيه شار وغيرهم.

ومن الكتّاب الذين أبدعوا في هذا الفن بشكل لافت وأنتجوا أثراً باقياً هو الفرنسي فرانسوا دو لاروشفوكو الذي تفوّق على مجايليه في هذا الفن، حيث كانت الصوالين وقتها يتبارى مرتادوها في أدب التوقيعات، إلا أن فرانسو دو تفوق عليهم جميعاً وقدّم شذرات وتوقيعات ذات طابع فلسفي متعمّق في تصوير الأشخاص والسلوكيات رغم إغراقه في السوداوية نتيجة عزلته ومرضه اللذين ألقيا بظلالهما على كتاباته.

وفي كتابه "حِكَم وأفكار"..توقيعات، الذي قدّمه وترجمه عن الفرنسية محمد علي اليوسفي نلمس عبقرية وموهبة هذا الكاتب، وهذه التوقيعات ثمرة عشرين سنة من الكتابة، ووفقاً للمترجم، فهي تقدم رؤية للإنسان متكاملة ومتشعّبة. ليست توقيعات متناثرة، بل يكفي النظر بتمعّن لرؤيتها وهي تنعقد حول موضوعات مقبوض عليها ببراعة، يعالج المؤلف كلاً منها في جولات متعاقبة، حبّ الذات مثلاً، أو القناعة، أو الكبرياء والغرور، أو الاعتدال، وباختصار التوقيعات تتميز بتوظيف أشكال منطقية أو هياكل لغوية متواترة يفيد منها المؤلف إلى أقصى حد في بلورة فكره النقدي الحاد، المتجه بعكس الأفكار الشائعة والمقبولة، والقائم غالباً على المُفارَقة.

من الشذرات:

  • وحدهم العظماء يمتلكون عيوباً عظيمة.

  • الكبرياء لا تريد الاستدانة، وحب الذات لا يريد الدفع.

  • عيوب الروح تشبه جراح الجسد، مهما تكن العناية في علاجها، تظل الندوب ظاهرة دائماً، تكون مهددة دائماً بالانفتاق من جديد.

  • ليس بوسع الفضيلة أن تتقدم كثيراً لولا مرافقة الغرور لها.

  • النفاق تحية تقدمها الرذيلة للفضيلة.