"هكذا نواصل المسير، مثل زورق في نهر الحياة، نغالب التيار المرتد للماضي بشكل مستمر لنحقق القادم"

(ف. فيتزجيرالد)


تمتد الساحة الثقافية طولاً وعرضاً في تباين للأفكار حسب المشارب والقدرات الذاتية لدى الأفراد، ما يؤدي إلى تنوع الإبداع المتفاعل داخلها، ولكل إبداع سمته المميزة له، وهذا بدوره يعكس أشكالاً من الاتجاهات والسعي وراءها بغية إكسابها مساحة أوفر في الساحة، فالشعر كمثال يشده تياران (تقليدي/ متجدد) ولكل منهما أتباعه من المنافحين عنه والمحبذين له يعملون على إفساح المجال له بشتى الوسائل من نشر وذيوع لكي يصل إلى عدد أوفر من المتلقين، مما يؤدي إلى تشنجات في أحيان كثيرة تظهر من قِبل الطرفين تتخللها شبه صراعات تستخدم فيها أساليب تبتعد عن الموضوعية، وقد تؤدي إلى تلبيس الاتهامات للجهة المقابلة والعمل على ذلك بطرق مختلفة، ويكون الهم الأوحد هو الانتصار للمنحى دون سواه مهما كلف ذلك من ثمن معنوي.

يغيب الموضوع خلف الكثير من الضبابيات التي تحجب الرؤية الصحيحة، فيكون التخبط المنتج للتشوهات الفكرية حيث يدخل أحياناً من ليس له من الدراية إلا القليل في هذه المناوشات وربما ليس لديه ما يؤهله لمثلها إلا محاولة إبراز الذات، فتدور الطاحونة وتشتد حركتها كلما تسلل مناور جديد.

هناك من يعرف النتائح السلبية لمثل هذه المناوشات ولكنه يمعن في سبيل إذكائها كلما سنحت له الفرصة، ربما يكون متفرجاً في الغالب، أو يكون من المشاركين بغية تلميع الأنا أمام الآخرين بمنظور العالم الفاهم والغيور المتحمس، حتى لو أدى به ذلك إلى إضفاء صفات غير لائقة بمناقشيه لكونه يهتم أولاً بكسب الجولة مهما كانت أدواته تحمل من تدليس هو يدركه، ولكنه يغض الطرف متجاهلاً ومتغافلاً تماماً لكي لا يفسح مجالاً أمام اللائمين ممن يهمهم أمر صفاء ونقاء الثقافة وفاعليتها، والذين يتعاملون مع الإبداع كرمز فاعل متنام في جميع الأوقات.

كل المجالات الفنية مهيأة للدخول في مثل هذه المداولات، وهناك المقوم لها ويشجعها باستمرار، ولكن أن تكون هناك نوايا حسنة، وأن يكون الهدف هو خدمة الإبداع نفسه وليس خدمة النفس في سبيل لفت الأنظار ولي الأعناق إلى هامات وهمية، فالفائدة تكون عندما يدخل النقاش أو الحوار بين الاتجاهين من لهم دراية كاملة بما يناقشونه، من النواحي الفنية والفكرية الشاملة، ويصار إلى النقاش الفني، والمضمون الحياتي المتطور لكي تتوجه الحوارات والدراسات إلى الطريق التي من شأنها حمل مركبة الإبداع إلى البر الآمن والذي تنعم من خلال رسوها إليه بالتطلعات العامة التي يتطلبها الجميع والمفترض فيها أن تلامس كافة الأنفس معبرة عما يجيش بها من تطلعات وتصورات مستقبلية كفيلة بالرقي دوماً بالذوق وتجسيد التَّصورات وتأطيرها لتبقى الصورة واضحة جلية أمام كافة الأطراف.