إلى الصديق الأديب إبراهيم التركي..

لم ينم أبو صالح تلك الليلة، ولم يضع جنبه على فراشه، وإنما اضطجع على سجادته يبكي مرة، ويسبح مرة أخرى.. فكيف له أن يخرج بعد أيام قليلة من مزرعة نخله الذي قُرر أن تنزع ملكيته.. كان مبلغ التثمين كبيرا، ولكنه لا يريده ولا يرغب فيه فهو لا يجد أجمل شيء في دنياه من سماع صوت "المكينة" وخرير الماء من البركة، وتدفعه في السواقي.. يريد نخلة: الخضري، والصقعي، والسلج والصفري، والنبوت والمسكاني حيث غرسها والده بيده، ونمت وشبت، وأثمرت منذ طفولته إلى اليوم.. كان يعلق المخرف في كرب النخلة، يخرف ويغني، ثم يهبط ليملأ الصحن للضيوف والأصدقاء الذين يأتون إليه لتناول قهوة الضحى كل يوم..! فماذا يفعل بالفلوس، أوراق سوف يحشرها في البنك، وسوف يسكن في بيت آخر غير بيته، لا يحبه، ولا يألفه، ولا يستنشق فيه عبق الطين، والزرع، والماء، ورائحة التمر اليانع، وقد تساقط في أحواض النخل، وسواقي الماء.. لن يجتمع بضيوفه الضحى، ولن يملأ الصحن بالتمر، ويسكب القهوة تتناولها أيديهم وقبيل صلاة الظهر، ينهضون، مرددين "أكرمك الله يا أبو صالح" لن يسمع صوت الحمام يغرد على عسبان النخيل، والعصافير تضج لحظة الغروب في شجر السدر والتين، لن يرى الشمس وهي تصلت أشعتها الصباحية من بين النخيل على "أشراب" الذرة والبرسيم، ولن يرى الشمس وهي تسحب جدائل أشعتها الشقراء لحظة الغروب مختفية بين منارة المسجد ونخلة المقفزي العيدانة السحوق.. ولن يستمتع بمنظر خرير وصوت "مداريج" السيل وهي تنحدر إلى مزرعته وقد تحولت إلى بحيرة بيضاء.. ولن يشم مياه المطر ممتزجا بعشب التلاع ونبات الصوح.. دخل أبو صالح في حالة مفجعة من البكاء والنشيج وهو يتحدث مع إمام المسجد بعد صلاة الفجر.. ربت الإمام على كتفه وهو يقول: هوّن عليك، كل شيء صائر إلى زوال، كل شيء سيصبح ترابا حتى أنا وأنت.. كل من عليها فان.. ثم وهو يقترب منه: يا أبا صالح لا تهلك نفسك أسى وحسرة، واصبر واحتسب.. رد أبو صالح وهو يتمتم ويرتعش بالعبرات،: لا تلمني يا أبا محمد فهذه المزرعة حبها ملتصق بقلبي، بعقلي إنها قطعة من روحي، لن أتصور أنها ستنغرس أسياخ حديد وخرسانة.. وأن أرى عجينة الاسمنت مكان طينة البذر والنبات!! في الصباح لم يتناول أبو صالح إفطاره، وإنما وقف تمثالا من الحزن والكآبة الصامتة، وقف كجنازة متحركة وهو يشاهد تلك الآلات الشيطانية، التي لها مخالب وأسنان الأغوال حيث ستبدأ مجزرة النخيل.. بدأ الضجيج والجرف والهرس.. سار منحدرا في بطء، وتهالك، واستسلام، وأسند جذعه إلى جذع نخلة…

قبل صلاة العصر تجمع أهل البلدة وجاؤا من كل أرجائها، وهم يبكون ويسترجعون، وكان أبو صالح ملفوفا في كفنه حيث ستقام عليه صلاة الميّت، وبعد الصلاة عليه ووسط المناحة والفزع، وقف إمام المسجد مردداً: أيها الناس قالها ثلاثا أشهدكم جميعا وإبراء لذمتي أمام الله أن "أبو صالح" قد أوصاني أن أبلغكم إن هو مات بأن يدفن تحت جذع نخلة من نخلاته.. ألا هل بلغت.. ثم وضع كفيه على عينيه وانتحب..