قريباً سيتشكل العالم، وسيأخذ شكله النهائي في الآنية التي يستقر بها، ويسطر التاريخ هذا الزمن وستتلون وجوهنا على صفحة التاريخ باللون الذي تستحقه، بحسب موقفه من هذا العالم، فكذب العالم الرخو، وصدق الـ(جيلي)..

زئبقي وبدون رائحة، يصعب عليك احتواؤه لكنه يعجبك طعمه فينسيك أن تبحث عن كنهه وعن مادته وعن من صنعه ومن أنتجه؛ يأخذ شكله مع كل إناء يوضع به! ذلك هو ما عرفناه تحت مسمى (الجيلي) نوع من الحلوى نتعاطاه ولم نكن نعلم أنه سيصبغ العالم بكينونته وهويته، فأصبحا متناسخين في كل تلك الصفات اللزجة!

من منا يعلم الحقيقة؟! من منا يحصل على المعرفة؟! من منا يدرك سبب ما يعتري العالم من وحشية ومن حب ومن كره، ومن سيطرة، ومن مؤامرات، ومن حرب، ومن سلام في لحظة واحدة وبدون أي فارق زمني؟ فلا أحد يدعي أنه قد امتلك الحقيقة وسبر كنهها، وإن ادعى ذلك فهو إما منافق أو كاذب، وما هذا اللغط، وهذا الادعاء، وهذا الصوت الصارخ في بوق أجوف - على جميع وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وعلى حافة الأنهار، وفي سراديب المقاهي المعتمة - سوى التزيئ بزي العارف المتأنق الفاهم الذي لا تفوته فائتة.

العالم الآن يتشكل بحسب لون العلم المطلوب، لا يبحث عن نوع بعينه أو انتماء، وإنما يبحث عن الإناء الذي سيأخذ شكله في كل فينة وفينة بحسب تلك الأواني المستطرقة السائلة عديمة اللون والطعم والرائحة.

ليس بجديد أن يحدد الإنسان موقفه من العالم، فلم تظهر الفلسفات حتى الإسلامية منها، إلا ليحدد الإنسان موقفه تجاه هذا العالم.. فهل وقف أي منا يتأمل محيطه الداخلي والخارجي ويصمت لكي يكون على طرف قطب منه أو منتمٍ له أو لا منتمٍ أو متسق معه أو قل كما يشاء، المهم أن تحدد موقفك من العالم؟

والعالم هنا لا يعني الدول واجتياز المحيطات والحدقات المحدقة في أرض الله الواسعة، بقدر ما هو، كل ما يعتري هذا العالم وما يحويه من فكر وفلسفات واتجاهات فكرية في سباحة متأنية في رؤوس البشر صنعت وبعناية لهذا الوقت وليس سواه.

في يومنا هذا وفي هذه المنحنيات التاريخية - التي حبانا الله من العمر أن نحياها عندما تروى للأجيال المتعاقبة – هل يجب أن نقف للحظات ونأمل، ونضع أنفسنا على نقطة ارتكاز تحقق لنا البقاء إن كتبه الله لنا؟! ولكن كيف يتأتى لنا ذلك في ظل هذا العالم الـ (جيلي) الذي بلا حقيقة وبلا معرفة؟!

عادة ما يقف الإنسان لحظة ويتأمل ويطلق حنجرته في وجه العالم، لكن للأسف الشديد بعدما تجوب العالم حروب طاحنة ومتاهات متعرجة تجعله يفرز من الفكر ومن العطاء ما تحيا عليه الأجيال اللاحقة هكذا يقول التاريخ! مثلما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، والتي أفرزت لنا مدارس عدة، مثل التعبيرية، والدادية والسريالية وحتى التكعيبية وجميعها وبدون أي شك تسجل للتاريخ ما له وما عليه ليكون شاهداً على حقبته، وجميعها تحدد موقف الإنسان من هذا العالم الذي صرخت في وجهه وشوهته مثلما شوهت الحروب دواخل الذات، وطفح الكيل، وأبيدت أمم، وتشوهت الأخلاق ـ فهل نحن على عتبات هذا التشويه وهذا اللون المقيت من الحس الداخلي حينما تعتري وجوه الأطفال بقايا القمامة وهم يبحثون عن طعام؟!

أي عالم يدعي الإنسانية في زمن شعاره هو ذاك؟! وأي زيف يتلون به كأس (الجيلي) الدافق على أطراف الكأس؟ وأي حقوق تبحث عنها هيئات ومؤسسات كذبت حين أدعت. فمن منا لم يرَ أطفال اليمن وأطفال العراق، وأطفال سورية وليبيا وغيرهم من أطفال العرب الذين هم نحن وهم جيناتنا تمشي على الأرض؟

ألم يدَّعي العالم المنوط به حق الإنسان الحر الأبي المنطلق في الآفاق الرحبة؟ ألم تتشدق كل الجهات الملساء والمتزأبقة أنها هي من تحمي السلام والأمن العالميين؟

حقيقة الأمر لو وقف أي منا على ركيزته التي يتخذها تلك، لوجد أن العالم كله جاهل ومدعٍ ومتلون ولا يعرف نفسه كي يحقق ما ينشده الإنسان من حقوق وواجبات حباه الله عز وجل إياها ولم يوكل عليه أحد يأخذ بيده إلى هنا أو هناك إلا إذا كان ضريراً ويبدو أننا جميعنا أصبحنا كذلك!

حقيقة الأمر وفيما يبدو أن ما أصبح عليه الحال لهذا الإنسان البائس لا يهم العالم، ولا يهمنا نحن، بقدر ما يتحقق من مكاسب اعتقاداً أنها سبب في خلود المجد والرفعة، وهو في اللحظة ذاتها لا يعلم أنه يأكل في سأته! ويحمل في طيات مجده المنشود ذرات فنائه وتلك هي حتمية تاريخية يقرها التاريخ؛ وذلك أن الإنسان هو سر بقائه وفنائه، فيأخذ فعوله ويهدم في ذاته ليتآكل كحبات الثلج في ليلة صيف حارة.

من منا يتأمل ذلك الفساد الهائل الذي أعلن محاربته خادم الحرمين الشريفين في بلادنا وفي ضوء ما يحيط بنا من أهوال ومؤامرات وحزام النار يحيط بنا ومن حولنا لتضيق الحلقة، فهؤلاء لا يرون إلا انتفاخ جيوبهم وليذهب الوطن والإنسان والطفل الشريد والأم الثكلى - وكلهم منا - إلى الجحيم! فهل هذه الإنسانية التي تعلو المنابر وتنفق على دعاتها الأموال، وتنشر لها أشرعة الصفحات الملونة في العالم أجمع؟ أين الإنسان وأين موقفه من هذا العالم؟ وما هو محيطه المتلبك بالفساد وبالسرقات، ويبدو أن نهب الجيوب لا يأتي إلا في زمن الحروب فتلك هي فرصته، وفرصة كل غير ذي وطن غير ذي مواطنة وكل غير شريف ينبض قلبه قلقاً على أهله وموطنه وهويته وعروبته وأبناء جلدته!

وفي كل ذلك لا نستطيع إلقاء اللوم على كل هؤلاء لأنهم مساكين غائبون في سكرة المال - أعاذنا الله وإياكم من سكرته - فأصبحوا لا يرون إلا ما تحت أرجلهم، وطرفهم لا يقوى على الامتداد إلى أبعد ما في الجيب المنوط نهبه وبدون تفكير!

قريباً سيتشكل العالم، وسيأخذ شكله النهائي في الآنية التي يستقر بها، ويسطر التاريخ هذا الزمن وستتلون وجوهنا على صفحة التاريخ باللون الذي تستحقه، بحسب موقفه من هذا العالم، فكذب العالم الرخو، وصدق الـ(جيلي).