لا نعني بوحدة الإنسانية ووحدة حضارتها القضاء على كل تعدد وتنوع واختلاف بل بالعكس أن من أهم ما نخشاه من توسع الحضارة الغربية بشكله الحاضر هو أن تطبع العالم كله بطابع واحد فنخسر كثيرًا من الغنى الناتج عن تنوع الحضارات..

لم تعد العلاقات الدولية في عالم اليوم مسألة خيار ولم يعد العالم في هذا العصر سهل الانعزال ولذلك تجيء العلاقة مع الآخر أيًا كان هذا الآخر مطلبًا أساسيًا وفق معطيات موضوعية تقوم على ضوء انتماء كل منهما إلى حضارته واحترام كل منهما لتراثه الثقافي وخياراته الحضارية تقوم تلك العلاقة على القواسم الإنسانية المشتركة ونقاط التفاعل الثقافي والتبادلات الحضارية ودوائر التواصل والتلاقي على قاعدة عولمة إنسانية تغلب الرؤية الإنسانية المنفتحة على الرؤية الضيقة وقد حدث خلال دورات الحضارات المختلفة أن تأخذ حضارة عن الأخرى ثم يأتي دور تكون فيه الأخذة معطية وما من حضارة في عالم اليوم إلا وهي مدفوعة للأخذ من الحضارة الأخرى فإذا كان العالم القديم أخذ من الحضارة اليونانية الصفة الجمالية فإن عالم اليوم ينهل من الحضارة الغربية الصفة الميكانيكية التكنيكية.

ولكن ما جوهر الحضارة الإنسانية التي نتحدث عنها يقول مؤلف كتاب معركة الحضارة قسطنطين زريق: إن للإنسانية وجودين مختلفين وجودًا إمكانيًا بالقوة ووجودًا صوريًا أو مثاليًا ولكنها لم توجد بعد وجودًا فعليًا.

فإذا نظرنا إلى التاريخ ألفينا فيه مجتمعات وشعوبًا وأممًا مختلفة تتقارب وتتعاون وتتواصل في بعض الوجوه أو الحالات أو الأحيان وتتباعد وتتجاهل وتتقاطع في وجوه وحالات وأحيان أخرى.

فالجماعات الإنسانية واحدة من حيث طبائعها وخصائصها ولديها من المنجزات التاريخية ما يؤهلها للوحدة الفعلية الحقيقية ولكن هذه الوحدة لم تزل غير محققة في الواقع فالمجتمعات البشرية لم تبلغ بعد ذلك الحد الذي تشعر فيه أنها تؤلف كيانًا واحدًا يسير إلى غاية واحدة أو غايات متقاربة متناسقة.

لا تزال هذه المجتمعات تسلك مسالك مختلفة إلى غايات متباعدة ولا تزال قوى التباعد والتفرق والانقسام أقوى فعلًا وأنفذ أثرًا من قوى التقارب والانسجام والاتحاد ولا يزال إحساس الفرد بجنسه أو بقوميته أشد من إحساسه بإنسانيته وما دامت هذه الحال قائمة فالإنسانية لم توجد فعلًا فهي موجودة بالقوة وبالإمكان وهي مؤهلة لأن تكون بالفعل ولكنها ليست بعد كذلك.

أما الوجود الصوري أو المثالي للإنسانية فهو الذي راود أذهان مصلحين ومفكرين خلال التاريخ تنادوا بالوحدة الإنسانية الأصيلة ولذلك ترى رؤى متنوعة لموكب تاريخي إنساني موحد ولسنا ننكر فضل هذه الرؤى في تقريب البشر بعضهم من بعض وفي تغذية شعورهم بمكانتهم الإنسانية وفي هدم بعض الحواجز القائمة بينهم وفي توجيههم نحو الوحدة المنشودة ولكننا جميعًا نعلم أن هذه الرؤى لم تتحقق بعد أو لم تتحقق بالقدر الذي يمكننا القول بوجود فعلي لإنسانية واحدة.

وما دامت الإنسانية لا تزال إمكانًا لم يتحقق ومثالًا لا يدانيه الواقع أي ما دامت لم توجد بعد بالفعل فلا يمكننا القول بوجود فعلي لحضارة إنسانية واحدة ولا يعني هذا أننا نذهب إلى ما ذهب إليه شبلنجلر وأمثاله من تقرير الانفصال التام والاختلاف المطلق بين الحضارات فالحضارات التاريخية على اختلاف ميزاتها ومظاهرها تتشابه في بعض وجوهها تشابهًا أصيلًا وذلك بسبب انبثاقها جميعًا من طبيعة إنسانية واحدة وهذا التشابه هو الذي يسر لهذه الحضارات أن تتفاهم وأن يؤثر بعضها في بعض عندما كانت تتقارب وتتصل وهو الذي مكنها من أن تأخذ وتعطي وأن تتفاعل.

إن عصرنا هذا ليشهد فعل عوامل عديدة ذات إمكانات عظيمة لتحقيق الإنسانية الواحدة والحضارة الواحدة نكتفي هنا بالإشارة إلى اثنين منهما أولهما تقدم العلم المتسارع نظرًا وتطبيقًا واتساع مدى تطبيقه في العالم أجمع.

هذا التقدم العلمي قد انطلق في الصور الحديثة من غربي أوروبا وامتد غربًا إلى شمالي أميريكا وشرقًا إلى روسيا وأخذ يسربل بسرباله العالم أجمع مما جعل بعضهم يقولون إن الحضارة الغربية قد غزت الحضارات الأخرى وغدت حضارة عالمية أو أن العالم كله قد اتحد في حضارة شاملة.

أما العامل الثاني فهو ثورة الاتصالات والتي انتشرت في أنحاء الأرض وينتشر معها الوعي المشترك وينمو إحساس الجماعات الإنسانية بترابطها الوثيق وبوحدة مصيرها وفي هذا أيضًا ما فيه من إمكانات وافرة لتكوين مجتمع إنساني موحد ولكن هذه الامكانات لا تزال تصطدم بمصالح وأنظمة ولا تزال أيضًا تجد بجانبها دعوات إلى الانقسام والتفرق والتخاصم بل إن إمكانات الانقسام ذاتها تعظم وتتضخم فيعظم معها خطر الموقف الإنساني الحاضر وتتضخم خطورة الاختيارات المنفسحة أمام الإنسانية تلك الاختيارات المصيرية الملحة التي لا نجد لها في الماضي مثيلًا.

فالإنسانية في وضعها الحاضر مع كونها تتمتع بإمكانات زاخرة للتوحد الذاتي الحقيقي لم تتكون ولم تتوحد بعد فعلًا ومثل هذا شأن الحضارة الإنسانية فإنها لا توجد فعلًا إلا بوجه من وجوهها هو الوجه التقني الآلي الخارجي وكلتاهما ـ الإنسانية والحضارة ـ معرضتان لأخطار متزايدة.

ومن هنا يبقى الأمل في تكوين حضارة إنسانية موحدة توحيدًا داخليًا حقيقيًا من مكنونات المستقبل.

ولكننا لا نعني بوحدة الإنسانية ووحدة حضارتها القضاء على كل تعدد وتنوع واختلاف بل بالعكس أن من أهم ما نخشاه من توسع الحضارة الغربية بشكله الحاضر هو أن تطبع العالم كله بطابع واحد فنخسر كثيرًا من الغنى الناتج عن تنوع الحضارات وإنما المقصود أن يكون ثمة انسجام وتناغم بين الحضارات المختلفة فكما ان حضارة أي مجتمع عندما تكون حية نابضة نامية تتميز بتنوع إنجازاتها كذلك الأمر في الحضارة الإنسانية الشاملة فإن وحدتها إنما تكون في انسجام الإنجازات المجتمعية مع المحافظة على خصائص كل منها فلا يأتي التنوع معطلًا للوحدة او موهنًا لها بل مقويًا ومغنيًا.