لا أحد يشك في عراقة بريطانيا في السياسة والإعلام ، وخبرتها الطويلة، وقدرتها على صناعة الرأي العام، وتسخيرها آلتها الإعلامية الهائلة لتحقيق مآربها الظاهرة والخفية (BBC ) التي تبث، بكل لغات العالم الحية تقريباً، أخبارها ونقاشاتها السياسية واختيارها للمحللين، وطريقة الحوار والبدء والختام، وفق خطط محكمة لتوجية رسائل ممنهجة وتحقيق مآرب عاجلة وآجلة، وخاصة في المشهد السياسي العربي، والسعودي بالذات، فقد يبدو للساذج أن إعلامها محايد وأنه يتيح فرصاً متساويه للمتحاورين الذين يمثلون الهجوم والدفاع بإدارة المذيعة، او المذيع، ولكنه إعلام ليس محايدا، غير انه ذكي في جعل المتابع يبلع الطعم ويهضم السم في الدسم أحيانا. ألاحظ في البرامج اختيار المعلقين على الأخبار، في المشهد السياسي العربي عامة، والخليجي خاصه، أنهم يمنحون المهاجمين وقتاً أطول، ويوجهون لهم أسئلة تحمل في طياتها أجوبة تشوه ذلك المشهد، بينما يُحرجون المدافعين، إن صح التعبير، أسئلة لا تُصوِّر الاتهام فقط بل تبرّره، ولا يمنحونهم الوقت المماثل للمهاجمين، ودوما يختمون البرامج السياسية بما يزعمون انه استفتاء المتابعين وآراؤهم بشكل انتقائي، وأحياناً استفزازي، وكلمة الختام التي هي (خلاصة الموضوع) والتي تبقى في وعي المتابع ولاوعيه، كثيراً ما تكون تشويهاً ذكياً لمشهدنا السياسي كعرب وخليجيين، مع الادعاء بأنهم محايدون وربما مجاملون! ادعاء يلبس الذكاء ولكنه لا يدخل عقول الواعين ولا المثقفين، وهذا الأسلوب يذكرني بوسيط الأعمش في الصلح مع زوجته التي غضبت عليه، لقد كان وسيطاً بليغاً رغم أنه كفيف، وحين طلب منه الأعمش أن يكلم زوجته الغاضبة منه قال بأعلى صوته:

-يا هناه! هذا شيخنا وأستاذنا الأعمش فتمسكي به واصبري عليه ولا يضرك منه نَتَنُ إبطيه وعَمَشُ عينيه وضعف ساقيه

فوضع الأعمش يده على فم الرجل الذي يريد الاسترسال وصرخ به: إخرس فقد افتريت ووضعتَ فيّ من العيوب ما لاتعرف هي وأضفتَ ما هو غير موجود!!