عندما تذكر كلمة الإنسانية، فإنها لاتعني سوى الرفق بالإنسان أو الحيوان، بتقديم التبرعات للمحتاجين من الأفراد والجماعات والدول، أو الدعوة لإنشاء الجمعيات التي تعنى بتقديم الرعاية الصحية للحيوانات، أو وضع الأنظمة التي تمنع الإساءة للحيوانات، لكن لأن المعنى يكمن أحياناً في التفاصيل، فقد أصبحت الجهود الإنسانية ذات أهداف نفعية! أما ما هو عكس الإنسانية، فإنه باختصار الحيوانية، فأعمال العنف والبطش، من الدول والأفراد، اعتاد الناشطون الاجتماعيون والسياسيون، أن يطلقوا عليها، أعمالاً حيوانية، وقد تكون الحيوانات بريئة منها، لكن هكذا جرى العرف، أن يطلق على كل تصرف طائش، مسمى العمل أو التصرف الحيواني! مع أننا نربي بعض هذه الحيوانات في منازلنا، ويقدم بعضنا لها أحسن ما عنده من الرعاية، مع الأكل المخصوص والنظافة ومكان للنوم، وحصة للتمشية وقضاء الحاجة، وبعد ذلك لا تتورع الدول والأفراد، عن وصف كل عمل طائش أو جبان أو جائر، بأنه عمل حيواني، فهل الحيوانات جبلت، على ما نصفها به؟ الواقع والدراسات والمعايشة، لا تقول ذلك تماماً!.

وهناك كتاب في غاية الأهمية، أصدره الباحثان "مارك بيكوف" و"جيسيكا بيرس"، عنوانه "العدالة في عالم الحيوان" : الحياة الأخلاقية للحيوانات" ترجمة "فاطمة غنيم" يحتوي هذا الكتاب على دراسات وأبحاث وملاحظات، حول سلوك الحيوانات، وتعاملها مع بعضها، ومساعدة القوي منها للضعيف، وهي كلها نتائج، تنسف ما استقر في أذهاننا، عن تعامل الحيوانات مع بعضها، وجور القوي منها على الضعيف، مع استثناءات بسيطة، أو فئات معينة، مثلما هو موجود عند البشر حيث فيهم الصالح والطالح، المتجبر والرؤوف!

يقول الدكتور "جين جودال": إن أفكار "بيكوف "و"بيرس" عن الحياة الأخلاقية للحيوانات تؤكد أهمية العدالة والتآزر والتقمص العاطفي، باعتبارها جوانب سلوكية لاغنى عنها، في عالمنا المعاصر." أن هذا الكتاب جعلني أستحضر مواقف العديد من الناس مع الحيوان، بل إن بعض الناس يفضل الحيوان على بعض الناس لوفائه لصاحبه أو لمن يقتنيه أو يربيه، وأنا أعرف صديقاً مولعاً بتربية القطط، يقدم لها الأكل والماء وأماكن لائقة لنومها، وهو لا يجلس إلا والقطط حوله، بل إنها تنام معه في فراشه! ومثل تربية القطط، هناك هواة تربية الخيل والجمال والحمام والكلاب، وفي بعض الدول الأوربية، يحظى الكلب برعاية خاصة، فمكانه مميز، في المنزل والسيارة، وقد كاد الرئيس الأميركي السابق" ليندون جونسون"، يفقد منصبه الرئاسي، لأنه داعب كلبه بعنف، في حضور كاميرات الصحافة!

وأبقى مع بعض المواقف التي أوردها المؤلفان، والتي تدل على رقي الحيوان في تعامله أو عطفه على أقرانه:

  • مجموعة من الفيلة، تنقذ مجموعة من الظبيان الأسيرة، حيث قامت كبيرة الفيلة، بفتح الحظيرة بخرطومها، وأطلقت سراح الظباء!

  • جرذ داخل قفص، يرفض دفع رافعة القفص للحصول على الطعام، عندما يرى جرذاً آخر يتلقى صدمة كهربائية، نتيجة محاولته دفع رافعة القفص!

  • أنثى خفاش الفاكهة، تساعد أنثى أخرى لا ترتبط بها أي صلة في أثناء الولادة، بعرض طريقة التعلق السليمة أمامها!

  • هرة تساعد صديقها الكلب الكفيف، على تخطي العقبات، التي تعترض طريقه، إلى تناول الطعام!

نحن نصف الشخص صاحب المبادرات الأخلاقية، وذاك الذي يقف بجانب العجزة والفقراء، ومن يقع الظلم عليهم بأنه إنساني، والباطش بأنه حيوان أو حيواني، نظلم الحيونات كثيراً، عندما ننحاز للإنسان، مع أن الخير والشر، موجودان عند الطرفين، وهذا ما جعل مؤلفي هذا الكتاب الهام يحثون الباحثين، على بذل المزيد من الجهد في هذا المجال!.