تراثنا العمراني فيه النواة الثقافية التي نبحث عنها لكن يجب أولاً أن نتعلم كيف نقرؤه ونفك رموزه ونكشف أسراره. يجب أولاً أن نتعلم كيف نحبه ونعتز به فهذا هو المدخل الحقيقي له..

نبهنا ملتقى الآثار السعودية الأول الذي عقد نهاية الأسبوع الفائت إلى "هوية المدينة السعودية، كون المدينة هي امتدار للتسلسل الحضاري، أي يفترض أن تكون كذلك. هناك إشكالية كبيرة تواجهها الشخصية المعمارية في المدينة السعودية فحتى هذه اللحظة لا يمكن أن نقول: إن هناك هوية معمارية سعودية، فرغم أننا نملك تراثاً معمارياً عميقاً إلا أنه للأسف الشديد لم يتم اكتشافه ليساهم في تحديد ما يمكن أن نسميه "الملمح الثقافي" الذي يمكن أن يقودنا إلى بناء هوية للمدينة السعودية.

المسألة هنا ليست صعوداً لمدن الإسمنت، ولكن هي تغيير في الحالة الثقافية للمجتمعات وتحولها من مجتمعات بسيطة مرتبطة ببيئتها المحلية إلى مجتمعات معقدة ذات إيقاع سريع وبالتالي فإنها لا تملك الوقت للممارسات الاجتماعية السابقة ولا يهمها أن تتفاعل مع المحيط. مدن الإسمنت هي محصلة لرسملة المدينة وتحولها إلى سلعة تباع وتشترى، على عكس السابق حيث كانت المدن والأمكنة تقيم بما يبنى عليها وبمن يسكن تلك المباني ولم تكن العقارات سلعة اقتصادية كما هو الحاصل الآن. تراجع الهوية المعمارية ليس سببه فقط "الإسمنت" فهو مادة بناء ولكن سببه الرئيسي هو تغير "روح المجتمعات" التي صارت تسكن مدن الإسمنت.

المدينة السعودية اليوم مجهدة ومنهكة، لا تعمل على راحة من يسكنها، مدينة تزيد من التشتت الذهني ولا تصنع السعادة، تزيد من الضغط النفسي ولا تحث على التواصل الاجتماعي. يحدثني أحد الزملاء ويقول لي: "مدننا كئيبة" ويزيد بقوله، حاولت أن أفهم لماذا هي كئيبة ولم تسعفني الإجابات، الكآبة في بنيتها العمرانية أم في تركيبتها الاجتماعية أم في النمط الاقتصادي الذي تنتهجه، المهم أنها كئيبة، فقلت له: عندما تشعرك المدينة بالكآئبة فهذا يعني أنها يجب أن تتغير، وأن استمرارها بنفس الإيقاع يعني "موتها" ونحن لا نتمنى أن تموت مدننا.

هذه قصة طويلة بدأت مع بداية تحديث المدينة السعودية وفي وقت لم يكن هناك متخصصون سعوديون يعون قيمة تراثهم وبيئتهم ويعملون على المحافظة عليها. الكارثة الحقيقية هي أنه بعد أن أصبح لدينا المتخصصون في العمارة فقدنا الهوية بالكامل وبل فقدنا الرغبة في التفكير في هذه الهوية وتجاهلنا الجذور التي تربطنا بهذه الأرض. بيوتنا التي تتحدث عنها تعبر عن الخواء الذي نعيشه وعن الفراغ الأكاديمي الذي يميز جامعاتنا. لن أحدث عن حلول نظرية فما هو مطلوب أكثر من الكلام ويحتاج إلى فعل ويتطلب أن يقوم مجموعة من المعماريين والمثقفين السعوديين بالعودة إلى جذورهم الثقافية ويعيدوا اكتشافها من الجديد ويتبنوها كميثاق وطني معماري يلتزمون به جميعاً. نحن نحتاج إلى هذا "الميثاق" اليوم قبل الغد.

في ملتقى الآثار طرح العديد من الأفكار لكنها جميعاً مازالت بعيدة عن التنفيذ لكن عندما تتواصل المدينة مع جذورها التاريخية تستطيع أن تجدد من نفسها كل مرة فهي تملك النبع والمصدر الذي يساعدها على التجدد ولكن عندما تنقطع عن هذا الينبوع تجف وتموت وتندثر، المدينة الأوروبية دائمة الشباب رغم أنها مدن تقع في القارة العجوز ومدننا التي لم تعرف الحداثة إلا من بضع عقود بدأت عليها علامات الشيخوخة. أكسير المدن الذي يضمن لها الخلود هو ارتباطها بنواتها الثقافية وهذه النواة موجودة في قلبها فعلينا أن نفتش في قلب المدينة السعودية ونستخرج هذه النواة.

ليس من السهولة بمكان الكشف عن خصائص الهوية المعمارية، هذه الخصائص تحتاج إلى دراسة وبحث وممارسة واتفاق وتدوير وإعادة اكتشاف وعمل شاق ومضني. الهوية المعمارية لا تصنع بمجرد الكلمات، لذلك فإنني لن أدعي بأني أعرف خصائص الهوية المعمارية السعودية لكني أستطيع أن أوجه المهتمين إلى كنوز التراث العمراني الذي يملأ ربوع بلادنا ففيه توجد هذه الخصائص وبفهمه يمكن أن نخرج بتوجهات ومفاهيم ونتعلم بعض الأساليب ونستخلص بعض التجارب. تراثنا العمراني فيه النواة الثقافية التي نبحث عنها لكن يجب أولاً أن نتعلم كيف نقرؤه ونفك رموزه ونكشف أسراره. يجب أولاً أن نتعلم كيف نحبه ونعتز به فهذا هو المدخل الحقيقي له.