في عصر اقتصاد المعرفة والثورة التكنولوجية والعولمة التي بدأت تلغي الهوية نحتاج في مجتمعنا إلى تعزيز الهوية وتعميقها من أجل المشاركة في عملية البناء الاجتماعي وإعادة الاعتبار للهوية، فبعض ملاحم الواقع وفوضاها توازي في بنائها (أوديسة هوميروس) من زاوية فلسفية، فالإنسان تسلبه وتتخطفه قوى ومفاهيم ومعتقدات خارجية إذا لم يكن لديه توكيد لذاته ومشبع بها بمعنى إذا كان واضح" الهوية "، بمعنى الهوية التي تشمل اللغة والعادات والتقاليد والثقافة بصفة عامة والتي يكتسبها الإنسان من المحيط الذي يعيش فيه وبالتالي فإن الانتماء والهوية شيء مكتسب من العيش في مكان ما وفي زمن ما، ولا علاقة لها بالوراثة، والمتخصصون في العلوم الإنسانية وفي الأنثروبولوجيا وعلم النفس على وجه الخصوص، يعرفون أن الثقافة والتراث والهوية هي ظواهر إنسانية متداخلة ومتلازمة بحيث لا يمكن الفصل بينها إلا تحليلياً وبغرض الدراسة والتنظير. وقد عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور" بالقول": إن أهواء الهوية متجذّرة فينا بعمق، وليس هناك أي شعب يعاني منها أكثر من شعب آخر".‏ فالهوية هي رمز الانتماء ولها مفاهيم مختلفة، ويعرفها "Rummens، J":

"أنها خاصية مميزة يمتلكها فرد، أو يشترك في امتلاكها جميع أفراد مجموعة مّا أو شريحة اجتماعية مّا".

وهي محصلة لمسيرة الفرد المعرفية والوجدانية والسلوكية. وعبر تفاعله الاجتماعي المستمر. وهناك عوامل اجتماعية لها أثر كبير في تشكيل هوية الفرد، فنحن نختلف في أفكارنا وانتماءاتنا المذهبية ولكننا نتحدث لغة واحدة، ولدينا تاريخ مشترك، وثقافة مشتركة، نحمل نفس الهموم والتحديات والتطلعات، ولكي لا نصاب بتفكك وضياع للهوية ما الذي يجب علينا أن نقدمه؟ وكيف نحافظ على تميزنا وتفردنا اجتماعياً، وثقافياً؟ وكيف نزيد من الوعي بالهوية وتعميقها؟ الإجابة على هذا السؤال تبدو صعبة قليلاً ومتشعبة، ولكن لنتفق أن الهوية هي جزء من الإنسان من ولادته حتى نشأته، وهي تضيف للفرد الخصوصية والذاتية، وتساهم في التعبير عن مجموعة من السمات الخاصة بشخصيات الأفراد، وهي الصورة التي تعكس ثقافته، ولغته، وعقيدته، وحضارته، وتاريخه، وأيضاً تُساهمُ في بناءِ جسورٍ من التّواصل بين كافة الأفراد سواءً داخل مجتمعاتهم، أو مع المجتمعات المختلفة عنهم اختلافاً جزئيّاً معتمداً على اختلاف اللغة، أو الثّقافة، أو الفكر، أو اختلافاً كلياً في كافّة المجالات دون استثناء. وهي ليست منجزاً نهائياً منكفئة على ذاتها، بل هي قيم قابلة للتطوير والتغيير من زمن لآخر حسب المستجدات من حولها. وهي مثل خارطة أو معادلة داخلية تتحكم بكيفية إدراك الإنسان لكل ما في الكون وكيفية التصرف نحو ما يدرك. لذلك تحدي الهوية يتطلب إستراتيجيات لتنشئة المجتمعات وتطويرها وتعزيز الحياة الثقافية، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، والحفاظ على التراث، والاهتمام بالتعليم الذي يلعب دوراً مهماً في تشكيل هوية الفرد وبالتالي تعزيز الوعي بالهوية. بالتزامن مع تلبية متطلبات المواطنة العامة كتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة والاهتمام بالطفل وتمكين المرأة وتشجيعها على المشاركة في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية، والاهتمام بكل مبادرة وريادة أعمال ومشاركات تطوعية، والعمل على تحويل مجتمعنا إلى مجتمع معرفي يواكب التغيرات المتسارعة في العالم.