استوقفني مؤخراً الفيلم الوثائقي المسمى (نحو النور، حسابات ونشوة 1996) من إخراج أوليفر ديكر Oliver Decker، الفيلم الذي يتناول الحياة غير التقليدية والموسيقى الفائقة لعازف البيانو الروسي والملحن اليكساندر سكريابين Alexander Scriabin 1872-1915، والملفت للانتباه اهتمام الفيلم بالكشف عن الأفكار الصوفية التي ألهمت هذا الملحن المتجاوز في طروحاته، فإن رحلة سكريابن مع الموسيقى هي في مجملها رحلة نحو النور واعتماده على نظرية أن الكون قد خلق من الانفجار الكبير والذي نشأ عنه سحابة من الغبار (آدم من. طين) والذي يرحل في الكون راجعاً للخلود والصمت الأبدي.

العنصر النسائي كان له تأثيره العظيم على اليكساندر، فلقد تربى على يد عماته وتشرب حساسية الأنثى وحدسها العميق واتصالها النبوئي بمعجزات الحياة والذي شحذ قواه الروحية وصقل ذوقه المرهف الذي صبغ موسيقاه عبر تاريخه، يقول:

" أنا طفل بكل معنى الكلمة، وهذه الأمزجة المتطرفة التي تنهبني، لقد كانت تنتابني موجات من الفرح والامتلاء الروحي والشعور بأنني آينشتاين ولدي قوى خارقة وأن العالم بين يدي ثم لا يلبث أن تتلاشى هذه الثقة لينتابني تعب مفاجىء، وأقع في شعور بالضياع والقلق غير المبرر. وأبداً لايدوم ذلك التأرجح في ميزان مزاجي، أبداً لايتحقق الاتزان.."

وتتساءل ماهذا الفقد للبوصلة؟

يقول: "في فترة من حياتي كانت لدي قناعة بأنني مثل أولئك الخوارق وأن بوسعي تغيير العالم وحدي، وأدركت مع الوقت أن شخصيتي منعكسة في الكثير من الشخصيات تماماً كالشمس المنعكسة فيمالاحصر له من قطرات الماء، وأنه لابد لي من تجميع تلك القطرات لبلوغ العقل الجمعي أو الكلي."

وتعلق ابنته مارينا التي شاركت في إعداد الفيلم على قوله ذاك:"تلك الكلمات تعبر تماماً عن اليكساندر، الغربب أنه قد قالها في فترة من حياته كان فيها ضحية ليأس عميق، اقد كان ينهل من فرح داخلي لايمسه البؤس ولا اليأس، نعم لقد جاء سكريابن للعالم محملاً بشحنة من الفرح والنشوة، وأنه لو تمكن من توصيل القليل من ذلك الثراء الداخلي لجعل الكون يتنور".

هذا الذي اتفق من عرفوه بأنه لم يكن ليحتاج الكثير ليكون سعيداً فلقد كان بوسعه العمل في عزلة تامة، وذاك ما يهمه أن يجد الوقت والصمت ليؤلف موسيقاه سامحاً لقطرات النور أن تتسرب من دواخله للعالم. ويصف العملية الإبداعية قائلاً: "أنا محمول بجيشان، محمول على عرف موجة من النعم بعيداً عن العالم، أحياناً يخيل إلى أن العالم غير ضروري.، وأنني قد غصت للب العقل المبدع، وأشعر بأنني ارتقي للسماء مكتشفاً هذه الوحدة مع الكون. أنا النشوة أنا النار بذرة الحياة". وإن موسيقاه لا تحمل تلك النشوة الحرة فقط وإنما تقوم على بنية هندسية وحسابات رياضية بالغة الدقة والتعقيد، وإن نتاجه الذي هو بنية محكمة من النشوة ليأتي من إيحاء يتجاوز القدرة العقلية لأنه يأتي من نبع الإبداع الحر الذي اتصل به لفرط حساسيته وسمو روحه، وما يصدر عنه هو أشبه برقص للروح، موسيقاه هي النار أو التعبير عن العناصر الأربعة التي تتكون منها الأكوان. ولقد سعى لتلخيص رؤياه في عرض يجمع بين الموسيقى والرقص والروائح والألوان في ملحمة مشهدية تستمر بشكل متواصل لسبع ليالٍ بسفوح جبال الهيمالايا، وهي تجربة سبق بها عصره ولو قيض لها الخروج للحياة حينها لكانت ثورة ميتافيزيفية وتقنية، وكانت لتعبر عن اختراقه لنبع الإبداع حيث ألهم مقتطفات من تلك السيمفونية في الحلم فكان يصحو محموماً يؤلف مجاهداً لقبض تلك المقاطع.

لقد كان اليكساندر سكريابن مفتوناً بالكتلة السوداء كما في السوناتا التاسعة The Black Mass ورحلة البشرية لاختراقها، لذا بتابع ذلك الاختراق منذ بوميثيوس سارق النار في الأسطورة الإغريقية وقبله لوسيفير والشيطان الذي استدرج الإنسان للأرض ولمالاحد له من الإبداعات التي كشفتها البشرية عبر وجودها الطيني.

أنه النفي من الخلود للسعي لبلوغه عبر مشاق يتم قهرها بالإبداع البشري، الإبداع الذي ماهو إلا المرتقى للمطلق وللخلود. ولقد ظل سكريابن يبحث عن ذلك الصمت أو الصوت السري غير المألوف للأذن البشرية، صوت يجمع الحياة والموت في عمقه، صوت هو بين اللون والكلمة بين الحضور والغياب يتجسد في حاسة لينفتح على مطلق الحواس، حيث مفاتيح البيانو كمايراها ماهي إلا ألوان يمكن ترجمتها في لوحات، وحيث الألوان تنطق موسيقى وحيث تندغم الحواس في كشف نوراني، أنه البحث عن الذات في سبيل تجاوز والارتقاء بالذات للأصل المطلق، أو كما يقول: ها هو الموت، الموت هو حياة. أنه السلام المطلق والإشعاع النوراني." لذا وعلى فراش الموت ولما يبلغ الثانية والأربعين من العمر اتقد جسد سكريابن بتلك النار التي تحررت أخيراً من أسر المادة، رحل سكريابن مبكراً إذ لم يكن بوسع الجسد احتواء تلك الجذوة.