استشفاف حالة المشهد الثقافي يمكن تلمّسها ومعرفة اتجاهاتها من خلال اقتناص ما يدور من أحاديث وأفكار يتم تبادلها بين المنتمين لهذا المشهد بكافة أطيافه وتنوّع حقوله.

من خلال هذه المراقبة للمشهد تحار من جسارة البعض في الكتابة والإصدار أو نوايا كتابية قد لا يكون لاندفاعاتها مسوّغاً أدبياً وإبداعياً يبرّر ذلك التعجّل، هذا إذا كنّا متّفقين على أن الإبداع إضاءة في نفس المبدع تأخذ كينونتها داخله وتشعّ عملاً خلاقاً يشدّنا ويضعنا وجهاً لوجه أمام حالة اشتباك مع الجمال والاختلاف والرؤى التي لا تستكين للسائد ولا المألوف، كتابة يتحقّق من خلالها ميكانيزم الإبداع.

ولكن هل كل ما يطرح من أعمال يملك القدرة على هذا الإشعاع والإضاءة؟ وبمَ يمكن تفسير حالة الاستخفاف بالدفع بأعمال نيئة لم تأخذ حقّها في المكوث في مختبر الذائقة؟ أسئلة يعاد تكرارها عند كل حالة تصادفك عندما يجبهك أحدهم بفراغه من إنجاز عمل قصصي أو روائي، أو شروعه في إصدار عدة أعمال دفعة واحدة، ليس هذا فحسب بل إنّ حتى الكتابة في جميع أنواع الفنون الأدبية والصحفية بدءاً من المقالة اليومية وانتهاء بالإصدارات الشعرية والروائية أصبحت بذات الاستخفاف من التناول والتعاطي ما يعني أننا أمام ظاهرة خليقة بالتدبُّر والدراسة.

هذا الهمّ المُعاد تكراره في كل مناسبة، يؤكّد أننا ندور حول ذات الإشكالية التي تشي بأننا نتعامل مع الكتابة كنوع من الترف الوقتي والهروع نحو الوجاهة الأدبية لتكون المحصلة في النهاية خواء ينمو ويتضخّم وكتابة قِشْريّة لا تسمن من وعي ولا تغني من نضج.

يغفل كثيرون عن أهمية وحساسية الكتابة الروائية وضرورة الوعي بتشعّباتها، ويتعامون عن كونها بناءً سردياً يفترض أن يكون مُحكَماً وأنها ليست مجرّد سرد ساذج وبناء غير واع للأحداث يتلقّفه المتلقّي كيفما اتّفق.

عوداً إلى الإبداع وميكانيزماه فهو حالة تستند إضافة إلى الإشعاع الداخلي إلى الخبرة والتجربة والمعاناة، وكما يصفها الروائي العربي وليد إخلاصي ذلك الديالكتيك الكيميائي بين المعدن الداخلي والمؤثرات الخارجية هو الذي يمكن أن نقول عنه إنه الإبداع، وبمعى آخر هو الانفجار الداخلي، فحين يفكّر في كتابة رواية يقول: أنا لا أفكّر بكتابة رواية، إنما تنفجر فكرة روائية في العمق، فألتقط هذا الانفجار، وأنمّيه، وأطوّره.

ما ينبغي التأكيد عليه أن القارئ بات على درجة من الندّية تجعلنا نقيم له ألف حساب وحساب، إذ لم يعد ذلك القارئ الكسول الذي لا يكد ذهنه في الاشتباك مع ما يقرأ، بل بات شريكاً في العمل الإبداعي تذوّقاً وتواصلاً، فهو الذي يعيد -كما يقال- صياغة القصيدة، وهو الذي يعطي قيمة فنّية للوحة، وهو الذي يعطي الناحية الجمالية في الموسيقى، فالكتابة تواصل بين قارئ وكاتب، فلنحترم وعي هذا القارئ ولا نستخف به أو نزدري فهمه ووعيه الفني والوجودي والإبداعي.