"كان يريد أن ينهض في هدوء وبدون إزعاج ليرتدي ملابسه ثم يتناول فطوره، وبعدها يفكر فيما سيفعله، لأنه كان يعرف تماماً أن الأفكار التي تراوده في الفراش لا جدوى منها"

( ف – ك )

                                   ***

عندما صدرت رواية (المسخ/ التحول) لفرانز كافكا في القرن الماضي كانت محط أنظار القارئين والكاتبين بترجمتها العربية، لكون الكاتب في هذه الرواية لم يكن يشبه أحداً، إذ إن روايته كانت تسير في اتجاه يعتمد على التفاعل النفسي، والمنلوج الداخلي والانعطاف الباطني، وفي حالة تأزم نفسي تجسده حال الشخصية الرئيسية الذي يتحول من إنسان إلى حشرة، ويصف الكاتب شكل الحشرة (صرصار) وهذه تتحرك وتفكر في عمل استبطان يجسم التفاعلات التي تنتاب إنساناً يرى نفسه على هذه الحالة، فيكون التفكير الإنساني داخل هذا الشكل العجيب، وهو بين ذويه ومعايشيه، يتحرك ويتنقل، وإحساسه بالحسرة والألم مع التعجب مما آل إليه "قال لنفسه ماذا أصابني؟ لم يكن هذا حلماً كانت حجرته التي بالكاد تكفي لجسد بشري وتقع بين أربعة جدران تقليدية ".

بمثل هذا الوصف العجيب وما تلاه كان هذا ما يدعو المهتم والقارئ والناقد أن يجتهد كل واحد في التفكير والتأمل في هذه القدرة الخارقة على اختيار الكاتب لتجسيد هذه الصورة ببراعة فائقة، فكانت الرواية محط الأنظار ومحل التأمل، وداعية للكتابة عنها من القادرين ومن الهواة، كما حالها بالنسبة لشد القارئين في العالم العربي الذي نقلت إليه كما كانت عند نقلها للغات عالمية أخرى، فكان أن ذهب الكثيرون من المهتمين بترجمة نتاجات ( ك ) التي جمعت بعد رحيله إذ اهتم صديقه بجمع ما خلفه من مخطوطات كان لا يرغب في نشرها، ولكن الصديق عندما قرأها عز عليه أن مثل هذه الأعمل لا ترى النور، وعند صدورها أحدثت ضجة في الحركة الثقافية لما احتوت عليه من مغايرة لما هو سائد، وجاءت وجهاً آخر لمفهوم الإبداع القصصي والروائي، فترجمت من أعماله ( المحاكمة، القلعة، وسور الصين، وسور الصين وأميركا وغيرها ) مما جمعه صديقه ماكس برود.

لازال الاهتمام بنتاج كافكا حتى اليوم بالرغم من مرور ما يقارب المئة عام على رحيله، فقد ترجم أعماله الكثيرة إبراهيم وطفا على مراحل حتى وصلت أربعة مجلدات، وفي عام 2014 ترجم د. خالد البلتاجي الأعمال من مصادر أخرى وأضاف ما وجد من مخطوطات وأوراق حصل عليها في أماكن مختلفة وقد تكررت طباعة هذه الترجمة في الأعوام 2015-2016-2017، ويبرر د. البلتاجي "أن هذا الكتاب ثلاثة مجلدات يأتي في إطار مشروع ترجمة الأعمال الكاملة لـ ( كافكا ) بمناسبة مرور 90 عاماً على وفاته، وتضم الأعمال كافة، كذلك قصصاً تنشر لأول مرة باللغة العربية".

ولازال كافكا حتى اللحظة الراهنة محل الدراسات النقدية ونقل أعماله من قبل مترجمين مختلفين من العالم، وكذلك من العالم العربي من مهتمين ومبدعين يغوصون في أعماله ويبرزون جديداً معتبرين أنه كاتب يتجدد مع الزمن.