ستبقى ليلة الأحد الماضي ليلة استثنائية في تاريخ المملكة كونها الليلة التي أصدر فيها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أمره الكريم بتشكيل لجنة عليا برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لمكافحة الفساد، وأعطاها كافة الصلاحيات لحصر المخالفات والجرائم والأشخاص والتحقيق وإصدار أوامر القبض والمنع من السفر، واتخاذ ما يلزم من إجراءات مع المتورطين في قضايا الفساد.

مكافحة الفساد كانت من أولى القضايا التي أولاها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان جل عنايته، كما أولاها كذلك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان جل اهتمامه وقال وبصريح العبارة في لقائه مع داود الشريان "أنا أؤكد لك بأنه لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد أياً من كان، لن ينجو سواء وزير أو أمير أو أياً كان، أي أحد تتوفر عليه الأدلة الكافية سوف يحاسب".

بالعودة للمؤشرات العالمية سنجد أن تصنيف المملكة ليس جيداً، فحسب مؤشر مدركات الفساد " Corruption Perception Index" (يعرف بمؤشر CPI) الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية جاء ترتيب السعودية في المرتبة 62 لعام 2016، وهي مرتبة متأخرة لا تليق بأكبر اقتصاد عربي، كما أثر الفساد وغياب الشفافية على ترتيبنا في المؤشرات الأخرى كمؤشر التنافسية ومؤشر سهولة الأعمال وغيرهما من المؤشرات العالمية.

اقتصادياً، لا يمكن الحديث عن تنمية شاملة ومستدامة واستقطاب للاستثمار الأجنبي وإغراء للأموال المهاجرة بالعودة في بيئة يتفشى فيها الفساد، فالفساد يضعف الثقة في الاقتصاد وفي تطبيق القوانين وفي عدالة الإجراءات والضرائب والإعفاءات، وهو ما يعيق بيئة الاستثمار والتجارة بشكل سلبي جداً.

والأسوأ حينما يتفشى الفساد بين كبار الموظفين وكبار المسؤولين ورجال الأعمال ووجهاء المجتمع، وهو ما يمكن تسميته بفساد الطبقة المخملية وهو الأسوأ والأخطر على الاقتصاد، فالملاحظ أن فساد الصغير لا يتعدى شخصاً أو شخصين، ولكن فساد المسؤول الكبير يخلق طبقة كاملة من الفاسدين تحته، وهو ما يعني تكاثر الفساد وانتقاله من الطبقة الأعلى للطبقة الأدنى فالأدنى وهكذا.

وبالتأكيد، لا يجد الشخص كلمات يصف بها أثر الفساد وضرورة محاربته أجدر مما قاله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في مقدمة أمره القاضي بإنشاء اللجنة العليا لمكافحة الفساد حين قال:"إنه لن تقوم للوطن قائمة ما لم يتم اجتثاث الفساد من جذوره ومحاسبة الفاسدين وكل من أضر بالبلد وتطاول على المال العام"، وهي كلمات قليلة تختصر ما يتفق عشرون مليون مواطن سعودي على قوله عن الفساد وآثاره المدمرة للمجتمع.

ختاماً، كانت ليلة الأحد هي ليلة الجهاد على الفساد، ولا شك أنها ليلة مميزة ومفرحة لكل سعودي يهمه تنمية وطنه ومستقبل أجياله، فلا يمكن للتنمية أن تنجح وتقوم في بيئة يعشعش فيها الفساد، ولا يمكن لمسؤول نزيه أن يعمل وينتج في وسط هواء ملوث بالفساد، ولهذا فإن قرار سلمان الحزم وأمره الكريم بمحاربة الفساد قرار يستحق التصفيق والاحتفاء، ويبشر بأن مستقبل الوطن بخير طالما أن المسؤول الأول هو المحارب الأول للفساد بكل طرقه وأشكاله.