«أفلاتتفكرون.» و «لعلكم تتفكرون» تتكرر في القرآن الكريم آيات التفكر والتأمل في الأرض أو النفس أو السماء ومخلوقاتها وظواهرها، ونتساءل عن الحيز الذي يشغله التأمل ومساحاته اللانهائية من ساعات يومنا.

هل سبق وتأملت في إعجاز الحيتان؟ من المعروف أن هناك من العلماء مالا يزيد عددهم عن الستة عالمياً مشغوفون بدراسة هذا الكائن العجيب «الحوت» ، و الذي -كما أثبتت الدراسات الحديثة- أن بوسعه التخاطب مع البشر وفهم مشاعرهم بمجرد التحديق في أعينهم، فهل تتخيل نفسك محدقاً بعيني حوت عملاق؟

والمذهل أنه قد تم التوصل لحقيقة أنه منذ 55 مليون سنة كانت الحيتان تعيش على اليابسة ، أي أنها أقدم من كل الحضارات البشرية التي لايزيد عمر أقدمها عن الخمسة آلاف عام، ثم ولأسباب غير معروفة قررت الحيتان الغوص لاستئناف الحياة في أعماق البحار، ومن هنا فلازالت الحيتان لاتسطيع التنفس تحت الماء واستخلاص الأكسجين منه وتحتاج للطفو لأسطح المحيطات لعبِّ أطنان من الهواء كخزين قبل الغوص لأعماق تصل لعشرات الكيلومترات، أعماق مسكونة بأسرار تحتاج من الحيتان التدرب على اختراقها تدريجياً منذ ولادتها وتحت إشراف كبارها.

والأكثر إدهاشاً أن الحيتان هي الأقرب للإنسان في صفاته الأمومية والاجتماعية، حيث تتحرك في جماعات متكاتفة تحمي بعضها، بل وتحتاج للتقارب جسدياً، إذ بين الحين والآخر تتقارب جماعات الحيتان كما لو كانت في جلسة استحضار للمشاعر، جلسة تتلامس خلالها بحنان واضح وحين تنقضي الجلسة تتباعد وتنسلخ طبقة من جلودها التي ترققها تلك العاطفة الجياشة، نسيج شفاف كوشاح من الموسلين ينسحب خلفها ببريق ذلك التبادل العاطفي العميق الذي تفترق بعده أفراد تلك المجموعات ويغوص كل فرد لأعماقه. وتقوم مجتمعات الحيتان على مبدأ من التكاتف الاجتماعي حيث ترعى صغار بعضها وتشرف على تدريب الناشئة على مهارات مواجهة الأخطار وعلى الصيد، بل وتتقاسم الجماعة محصول الغنائم مثلها مثل أي مجتمع بشري. وهذا السلوك الاجتماعي تفتقر له أحياء بحرية أخرى مثل فيلة البحر أو الفقمة،التي تترك صغارها بلاتدريب لقمة سائغة للحيتان الذكية حيث تقترب بشكل خطير من الشواطئ وتلتهم الفيلة الغافلة،التي تركتها الحكمة الإلهية في تلك الغفلة لتوفر الغذاء لطبقات الأحياء الأعلى والأكثر ذكاء.

وعبر سنين البحث أخذت تتكشف للعلماء أبعاد ذكاء الحيتان الذي يكاد يضاهي ذكاء البشر، إذ تم اكتشاف اللغة التي يتخاطب بها حوت المني مثلاً، الذي يوظف ما يشبه شفرة مورس، تتبادلها جماعك الحيتان في موجات مثل تكتكات تخترق في الجسد حاملة حواراتها و دعاباتها، إذ تظهر الحيتان حساً فطرياً بالفكاهة، حيث تقترب بفضول وتنجذب للغواصين الذين يقومون بدراساتها فيما إذا قاموا بحركات بهلوانية وتنصرف عنهم بلامبالاة فيما لو افتقروا للفكاهة، بل وتداعب تلك الحيتان العملاقة التي بطول 200 متر الغواصين مختطفة كاميرات التصوير بفضول، وتدفع بصغارها للتعرف على الغواصين وتتحرك حولهم بمسالمة رغم قدرتها على ابتلاعهم بكامل معداتهم في لقمة واحدة.

عالم مذهل تضمره المحيطات، وخفة غير متوقعة تتجلى في مثل هذه الكائنات العملاقة، وما الحيتان إلا لغز صغير من ألغاز لم تتكشف بعد من لانهائي معجزات الخالق جل وعلا.