هنالك رأي فني بين أوساط النخبة الموسيقية السعودية يقول: إنه لو استمر حسين قريش في الغناء بنفس الوهج الذي بدأ فيه نهاية السبعينيات، لربما تحول إلى هرم غنائي ينتصب إلى جانب هرمي الغناء السعودي البارزين طلال مداح ومحمد عبده، من حيث الصوت والثقافة الموسيقية، خصوصاً أن فنان العرب كان من أشد المؤمنين بقريش، ليس هذا وحسب، بل قدم له لحناً غنائياً في التسعينيات، وهو العقد، الذي للأسف سيشهد آخر حضور لائق بحسين قريش وفنه الأصيل، قبل أن يدخل زمن الإنترنت ويتضرر سوق الكاسيت بقرصنة الأغاني، الأمر الذي أدى لابتعاد كثير من الفنانين ومنهم صاحب أغنية "لو دريت". لهذا سنحاول في هذا الحديث، خوض عدة قضايا تمس تجربته وغيابه المتكرر وصولاً إلى المرحلة الحالية حيث عودة الغناء والحفلات التي يعول عليها قريش كثيراً:

  • كل مرة نسمع بعودة الفنان القدير حسين قريش إلى الساحة الغنائية، وآخرها كان مع حفلات العيد بالرياض، حيث أذيع نبأ مشاركتك ولكنك لم تظهر؟

  • أنا تفاجأت مثلكم واستفسرت حول الإعلان عن الحفل، فتبين أن كل شيء "تفركش" وألغي. حيث كانوا يتطلعون لترتيبات أفضل على ما يبدو.

  • ولكن أقيمت حفلات أخرى، لاحقاً، هل هنالك حديث للمشاركة في حفلات قادمة؟

  • سمعت من أصدقائي في الرياض أن سيكون لي تواجد ومشاركة ضمن الحفلات التي تقام هناك، وأن اسمي مدرج، وأنا في انتظار أن تنتهي هذه الترتيبات وسوف أشارك.

  • لو عدنا للوراء وأردنا التعرف على السبب والفعلي لتوقف حسين قريش؟

  • في الحقيقة لم أتوقف. ما حدث أن مؤسسات الإنتاج الغنائي لم تعد تنتج لأنها لا تعوض مصاريفها، بسبب دخول الإنترنت وقرصنة الأعمال فور نزولها للسوق. يُنتج ألبوم وفي نفس اليوم ينزل في الإنترنت، فيلجأ الناس إليه مجاناً، الأمر الذي دفع المغني لأن ينتج بنفسه، ولكن هذا لا يدوم، كون الأغنية الموسيقية الواحدة مكلفة، فما بالك بألبوم غنائي كامل. وقد أنتجت عدة أعمال فردية، ولازالت، لكن هذا يحدث بمشقة على الفنان.

  • التضرر من انهيار زمن "الكاسيت" ودخول الإنترنت شمل فنانين كثر، ولكن هناك من صمد وتطور وتأقلم مع المرحلة الجديدة، لماذا لم تتمكن أنت؟

  • هذا صحيح ولكن أضطر للعودة لنفس السبب، هو دخول عصر الإنترنت الذي سبب ضرراً كبيراً على الإنتاج الغنائي في المملكة. بالنسبة لي أقمت العديد من الجلسات لتلفزيون الدمام، ومن فترة قدمت عملاً بمناسبة اليوم الوطني من كلمات سعود الميمان وألحان محسن الجساس وأذيع في أكثر من إذاعة، لكنه إنتاج فردي وهو مختلف عن تقديم ألبوم زاخر بمجموعة من الأغاني المنوعة. وكأننا عدنا لزمن الأغاني الفردية "زمن الإسطوانات" زمن طلال مداح رحمه الله ومغني الخليج العربي ثم جاءت المؤسسات وأشرطة الكاسيت وبعدها السيدي إلى أن سيطر زمن الإنترنت، وقنن. لهذا ننتظر نشاط الحفلات لأنه هو الذي سيعيد نشاطنا الحقيقي.

  • هل أثرت عليك، نفسياً كفنان أو كحضور، تلك السنوات التي تم التضييق فيها على الحفلات والفن؟

  • نعم. ولكن اليوم بعد تصريحات سمو ولي العهد تنفست الصعداء، ليس أنا فقط بل جميع الفنانين السعوديين. هنالك تحول حقيقي وملموس في وطننا الكبير الغالي، من خلال رؤية 2030، هذا التحول يضخ فينا الروح من جديد، لنقدم كل ما يستحقه الشعب السعودي. أضف إلى ذلك أمر مهم، وطرح للنقاش وهو أن الفنون والثقافة تحضر بقوة في التحولات الاجتماعية التي تحدث وهذا إن دل على شيء إنما يدل على عمق الرؤية التي يقودها سمو ولي العهد.

  • في بداياتك بدأت بالتثقيف الموسيقي ذاتياً، بالمقابل كيف تنظر لبدايات فناني جيل اليوم الشباب وتعاطيهم مع الموسيقى، خصوصاً وأن الكثير منهم لا يولي الموسيقى كثير اهتمام؟

  • لكي لا نظلم الكل، نقول: البعض من فناني جيل الشباب يلهث وراء تقديم أعمال سريعة تركز على أن تكون مخالفة لتُعرف، حتى ولو كانت خاوية نغماً وكلمات. وهذا مغاير جداً عن أعمالنا المكبلهة الثرية بتنقل المقامات. الناس صارت أيضاً تريد أعمالاً سريعة صاخبة والأهم أن "تضرب" الأغنية، ولكن في وقتنا كنا نفكر: الفن للفن.

  • المنطقة الشرقية ولاّدة بالمواهب الغنائية والموسيقية، لكنها اليوم فقيرة بالأسماء.. أين الخلل؟

  • هنالك نشاطات في جمعية الثقافة والفنون بالدمام والأحساء ولكن هل هذه النشاطات مثل السابق عندما كان التلفزيون يغطيها لتتحول إلى مكتبة التلفزيون وتثري المكتبة؟. لم يعد هذا التوجه موجوداً الآن. عندما كنا نقيم حفلات بالجمعية، يأتي التلفزيون لتغطيتها ويعتبرها مادة للتلفزيون ويستفيد منها الجميع. ما نشاهده اليوم، أن هذه المواهب التي تقدم في الجمعية "الدمام/الأحساء" يتم تداول أعمالها على شكل مقاطع في شبكات التواصل، وهذا يبقى أمراً محدوداً للغاية. لا ننسى أن في الشرقية أسماء كثيرة لم تحظ بفرصة تستحق، هناك سعيد عبدالوهاب، وهو فنان عجيب، يمتلك من الألحان الثرية ما يدهش، لدينا أيضاً محمد السنان وهو ملحن غزير الإنتاج أتمنى أن تستثمر تجربته، وخاصة مع عودة الحفلات الغنائية في المملكة تحرك الساحات الفنية ومنها ساحة الغناء السعودي. لأن كل ما هو مختف سوف يظهر، فعودة الحفلات هي الانطلاقة الصحيحة من جديد.

  • في المرحلة المقبلة، كيف يمكن للفنان أن يقدم فناً أصيلاً وراقياً؟

  • التنوع مطلوب، جميل أن يقدم المغني أغنيات شعبية ولكن أيضاً عليه أن يقدم المكبلهة وأن يطرق أكثر من لون، لا أن يرى بأن فلان نجح بأغنية سريعة فيقوم بتقليده، هذا النوع من الأغاني مصيره الفناء. الفن الشعبي جميل ومن تراثنا ولكن لا يجب على الفنان التخلي عن بقية الدعائم التي تؤسس للفن الحقيقي والأصيل الذي يشبع الأذن، أعني الأغاني المكبلهة الثرية. يجب أن توجد لجنة لضبط الفوضى الغنائية. سابقاً كان هنالك لجان في الإعلام تجيز الكلمات قبل أن تُغنى حتى، وهذا كان أيضاً في الكويت والعديد من الدول العربية.

  • كانت لك تجربة في دولة الكويت؟

  • كانت فترة نشيطة، آواخر التسعينيات طرحت ألبوماً من ألحان فناني الكويت، الأساتذة أحمد عبدالكريم وعبدالله الرميثان ونظام المطيري. حينها كان الحراك الفني جميلاً، وليس كما هو الآن حيث الفتور، وصرنا في بيوتنا نغني "والسلام عليكم". لذا الأمل سيكون في المرحلة المقبلة.

  • تجربة تلحين الفنان محمد عبده لك في أغنية "قالوا نسيته" التي عاد وغناها فنان العرب بعد عودته للغناء.. كيف حدث هذا الأمر؟

  • من حق أي ملحن أن يغني عمله. لو ترجع لكبار الفنانين والملحنين مثل عبدالوهاب ورياض السنباطي وسيد مكاوي وآخرين، ستجد أنهم عادوا وغنوا ألحانهم التي قدموها للآخرين. ثم إن هذا الأمر جميل وطيب أن تسمع العمل الغنائي بصوت الملحن وصوت المغني وهذا لصالح المتلقي بأن يتلذذ بمذاقات متنوعة للأغنية نفسها. وهذا ينطبق على "قالوا نسيته"، بأن تسمعها صوت حسين قريش أو من الأستاذ محمد عبده. ثم إن الأغنية كانت قديمة، وتسربت في جلسة على العود للأستاذ محمد، وأحب أن أغنيها بصوتي. وأخبرني بأنه يود أن يسمعها مني، في الشريط الذي أنتجه لي، وغنيتها وبعد فترة غناها في الحفلات وهذا من حقه.

  • هل يمكن أن تتكرر التجربة؟

  • الفنان محمد عبده مشغول دائماً في عمله وتنقلاته، ولكن مع عودة الحفلات، لا يمنع أن نطرق الباب مجدداً مع الأستاذ محمد عبده وهو "ما يقصر".

  • ماذا عن نشاطك القادم؟

  • لدي جملة من التعاونات، بعضها مع الفنان مطلق دخيل الذي تعاونت معه سابقاً في عدد من الألحان سوف أعيد تسجيل بعضها في الفترة المقبلة. وهناك الشاعر محمد المبيريك الذي غنيت له أغنية "علّيت" من ألحان الراحل مبارك السعيد، هذا الشاعر لديه ألحان محفوظة لم تسمع، من ألحان السعيد رحمه الله، وقد اتفقت مع المبيريك بأن أزوره قريباً لنرى ماذا سنفعل بهذه الأغاني.

مع عبدالمجيد عبدالله في سنوات النشاط في التسعينيات